الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

عن انهيار مسرح الثقافة الجماهيرية 1- نوادي المسرح

 مقدمة: منذ رحيل حسين مهران بطريقة أريد لها ان تكون مهينة، تعاني الهيئة العامة لقصور الثقافة حالة من الإنحدار والتآكل على كل المستويات، وبعض هذا كان ينبع من عوامل داخلية وهيكلية، وبعضه الآخر كان نتيجة مباشرة للحملات التأديبية التي شنها "الكتخدا" فاروق حسني ضد تلك المؤسسة التي خرج منها موظفا صغيرا مغمورا، وظل يعاني مما يظنه احتقار قياداتها له بعد أن عاد من فوقهم ليصبح وزيرا، ومنذ البداية خطط فاروق لإنشاء صندوق التنمية الثقافية (1989) بحيث يكون البديل العصري لقصور الثقافة، و كان مقدرا له أن يضم مواقع منتزعة من الآثار، إلى جانب المواقع الأكثر فخامة وشياكة من الثقافة الجماهيرية (مع منح بقية المواقع البائسة للمحليات)، لكن هذه الترتيبات تعثرت مع تولي حسين مهران للثقافة الجماهيرية، وتحويلها لهيئة مستقلة، وتطوير أنشطتها وميزانياتها على نحو غير مسبوق، بحيث إضطر فاروق حينها إلى خفض طموحاته وتعديل مخططاته فشرع في بناء أول –وآخر- مركز لللإبداع تابع لصندوق التنمية، ناهيك عن غضبه من تباطؤ مشروع إحلال هذا الصندوق محل هيئة قصور الثقافة، بحيث أنه عند رحيله لم يكن الصندوق يضم سوى 17 مركز إبداع والتي يعدها فاروق النظير العصري لقصر الثقافة، بالإضافة إلى 90 مكتبة تناظر بيوت الثقافة، وهي ارقام لم تكن ترضي طموحه الذي كان يستهدف هزيمة اسم ثروت عكاشة وابتلاع منجزه الأعظم المتمثل في مؤسسة الثقافة الجماهيرية.
وبالرغم من أن فاروق قد صبر عدة أعوام ليثأر من اضطراره لتخصيص ميزانية لبناء مركز القاهرة للإبداع، فإنتزع مقابله قصر ثقافة الحرية قبل إفتتاحه بأيام قليلة، إلا أنه لم يبد صبرا مماثلا تجاه مسرح الثقافة الجماهيرية الذي كان رأس الحربة الأقوى في أنشطة حسين مهران وصراعه ضد الوزارة، فعقب شهور قليلة من رحيل مهران تلقى هذا المسرح أول حملة تأديبية على يد خلفه مصطفى الرزاز، بحيث إضطر ابو العلا السلاموني (مدير عام المسرح حينها) إلى رحيل إختياري حتى لا يتسبب بقاءه –كما قال هو- في تعطيل أنشطة المسرح والإضرار بمصالح المسرحيين.
ومنذ تلك اللحظة ينحدر مسرح الثقافة الجماهيرية من السيء إلى الأسوء، غير أن نوادي المسرح ظلت تتمتع بوضعية مختلفة داخل هذا الإطار البائس، فبإستثناء ازمة شهدها المهرجان الختامي ببورسعيد (1999) الذي قاطعه الغالبية العظمى من كوادر الادارة ردا على محاولة د. حسن عطية قصر مشاركتهم في اللجان على مهمة المقرر الذي لا يحق له التصويت، ظلت نوادي المسرح بكل ما تحظى به من تعاطف وإهتمام ماضية في طريقها -دون عقبات جوهرية- بوصفها الحركة الأم لمسرح الهواة في مصر، وحتى مع بداية عصر ما بعد محرقة بني سويف استطاعت النوادي استعادة حيويتها سريعا على نحو لم يكن يتوقعه اشد المتفائلين، بل تم تطوير نظامها الإنتاجي عبر تنفيذ بعض الاقتراحات التي قدمتها عندما كنت مسئولا عنها موسم 2005-2006، حيث تم إلغاء تخصيص شرائح إنتاجية ثابتة لكل فرع، والإعتماد على قدرة كل موقع على المبادرة حسب حجم النشاط والطاقات المسرحية المتوفرة فيه، مع إلغاء الإنتاج عبر قرار إداري يتحكم به موظفو المواقع وغيرهم، ليحل محله القرار الفني الصادر عن لجنة مشاهدة "متخصصة" تختار العروض التي سيتم إنتاجها طبقا لعطائها الفني، وهو ما أدى –من وجهة نظري على الأقل- إلى إكساب الحركة المزيد من الحيوية التي مكنتها من مقاومة وتجاوز الكثير من العثرات والقرارات العشوائية خاصة تلك التي ظهرت خلال فترة تولي عصام السيد إدارة المسرح، وقيامه بإلغاء "إدارة النوادي" (وهي بالمناسبة أهم إدارة في وزارة الثقافة على وجه الإطلاق!) لمدة موسم كامل توزعت فيه مسئولية النوادي بين أياد عديدة بعضها دخيل على التجربة، أو محاولته إصدار لائحة جديدة للنوادي كان يمكن أن تخلف اثرا تدميريا على الحركة، لولا أن احمد مجاهد –رئيس الهيئة حينها- إستمع للأصوات المعارضة وتراجع عن إعتمادها في اللحظة الأخيرة، وما إلى ذلك من قرارات أخرى إتخذت بمنطق: "نجرب ونشوف إيه اللي حيحصل" !!!.
ومع مجيء سعد عبد الرحمن، والذين معه، والذين حوله، و"سياساته" التي بصمت على خفض مسرح الثقافة الجماهيرية من مشروع ثقافي قومي إلى وحدة إدارية منهارة، أو مجرد إدارة عامة ضمن 60 إدارة أخرى تخضع لنفوذه وسلطاته، طالت نوادي المسرح إنتكاسات تاريخية غير مسبوقة، بدأت مع استجابة غير مدروسة لضغط الأصدقاء السكندريين بعد صراعهم ضد الإدارة حول لجنة المشاهدة، مطالبين بحقهم في تشكيلها من بينهم دون تدخل، وهو أمر لم تستطع إدارة المسرح التعامل معه بحكمة وهدوء كافيين مما إضطرها في النهاية إلى قبول هذا المطلب الذي ما لبث أن تحول إلى إجراء دائم بعد تضمينه في ضوابط التشغيل العامة. أما ما تلا ذلك فهو الأسوء على الإطلاق في تاريخ النوادي.
موسم 2011-2012 وبداية مرحلة التفسخ الداخلي:
وهو أطول وأسوء موسم في تاريخ النوادي، بدأ في 1-7-2011 كما هو مفترض، وإنتهى بالمهرجان الختامي الذي عقد في النصف الثاني من مايو 2013، مستغرقا 23 شهرا.
وكانت بداية هذا الموسم الكارثي بإقرار إدارة المسرح لمشروع قدمته الصديقة عبير علي مسئولة الورش والتدريب يقضي بأن لا يتم إنتاج عروض النوادي إلا عبر ورش تدريبية سابقة على تقديم اي مشاريع إنتاجية، بحيث يتخذ قرار الإنتاج مدربي تلك الورش أنفسهم "وذلك بديلا عن لجان مشاهدة ومناقشة المشاريع". (انظر تفاصيل الخبر المنشور في موقع متابعات الذي كان حينها الموقع شبه الرسمي للإدارة  بتاريخ 15-1-2012)، وهو ما يعني عمليا إنهاء الصيغة المعروفة للنوادي ووضعها كتابع ملحق لإدارة الورش!، ومدربيها الدخلاء على التجربة، وهكذا دون بحث أو دراسة او الاستماع لآراء المعنيين، يقرر ثلاثة هم عبير علي مسئولة الورش، وسعيد حجاج مدير النوادي، واحمد ابو العلا مدير عام المسرح، مصير الحركة المسرحية الأهم في مصر، والتي ذهبت من أجلها حيوات العديد من شهداء بني سويف نتيجة حرصهم على ألا يفوتهم مشاهدة مجرد عرض ضمن آلاف العروض التي أنتجتها النوادي.
منذ محرقة بني سويف التي ابتلعت أهم وافضل كوادر إدارة المسرح، بدأت الأمور تميل أكثر فأكثر لتركيز سلطات الإدارة في يد المدير العام، صحيح أن كلا من محمود نسيم وعصام السيد كانا يتمتعان بوعي متفاوت في درجته وتوجهاته بأن ما يدور في مطبخ الإدارة لا يخصها بقدر ما يخص المسرحيين المتعاملين معها، وبالتالي كان هذا الوعي يحكم قراراتهما بصورة أو بأخرى، إلا أن الأمر اختلف مع الصديق أحمد ابو العلا، وبعض ذلك يعود لصفاته الشخصية، التي جعلته طوال حياته العملية يفضل خوض معاركه وحيدا، ناهيك عن أن علاقته بمجمل النظم الإنتاجية بمسرح الثقافة الجماهيرية كانت غالبا اطلالة من موقع المعارض لا الممارس المنغمس، وما زاد من تأثير ذلك هو المزيد من الانحدار في مستوى خبرة الكوادر التي استعان بها، بداية من الصديق سعيد حجاج الذي انتقل فجأة من موقع المشاهد ليتولى مسئولية بحجم النوادي، معلنا أن الخبرات السابقة المتراكمة حول حركة النوادي هي بمثابة كهنوت لن يدعه يحول بينه وبين خصوصية تجربته!، والصديقة عبير علي التي يلف خبراتها العملية وطريقة تفكيرها نزعة فردية أكثر ميلا للتواري والإحجام عن التفاعل الجماعي كلما كان ذلك ممكنا، معتقدة أن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق أي إنجاز وما سوى ذلك ليس سوى إهدار للوقت والجهد، وهي عادات اكتسبتها من نشاطها الأساسي خارج مسرح الثقافة الجماهيرية، بين الفرق الحرة والمستقلة والجماعات المتحلقة أمام بوابات التمويل الأجنبي، حيث الكثير من الصراعات التي خسرتها والتي خلفت شعورا واضحا بالاضطهاد جعلها أكثر استعداد وتقبلا لإنتزاع اي مكاسب سواء كانت مستحقة ام لا طالما أن بإمكانها ذلك، مجموعة القيادة تلك بحكم تكوين شخصياتها كانت أكثر ميلا لما يمكن تسميته بـ "تكتيك القرار الصامت" الذي يصدر في مكان مغلق وعبر اشخاص محدودين، ثم يتم ملاحقة ردود الأفعال حوله فيما بعد.
15-1-2012 (تاريخ نشر الخبر المذكور عاليه) إذا هو تاريخ دقيق لتحول إدارة المسرح ومسرح الثقافة الجماهيرية من حالة الانحدار المتوالي بفعل عوامل كثيرة منها ما هو خارجي، إلى حالة التفسخ الداخلي على أيدي الكوادر التي تقودها، وإذا كانت النوادي قد صمدت في المرحلة الأولى، فقد اصابها الكثير من الدمار عبر المرحلة الثانية.
بالطبع لم يتم تنفيذ القرار المذكور بحذافيره نتيجة لإعتراض الكثيرين من شباب وكوادر النوادي في العديد من الفروع الثقافية، لكن بوابة الإستيلاء على النوادي من داخلها كانت قد فتحت، وتم إضافة ما يسمى بـ "مشروع مسرح المقهورين" الذي لم يكن مدرجا بالخطة من أساسه، وقامت عبير علي باستدعاء "نورا أمين" لتتولى وحدها مسئولية هذا المشروع على مستوى جميع المحافظات، وتم استخدام العديد من أدوات الترغيب مثل وعد المخرجين بالصعود مباشرة إلى المهرجان الإقليمي، مع صرف الميزانيات كاملة لعروض لا تحتاج –بحكم طبيعتها- سوى لبعض الاكسسوارات، ووعد آخر بالمشاركة المباشرة في مهرجان خاص بمشروع المقهورين، مع وعود أخرى في الكواليس بسفريات وتمويلات وما إلى ذلك، مثلما تم إستخدام أدوات الترهيب عبر إجبار المخرجين على التوقيع على تعهد يعلنون فيه التزامهم بالمشروع، وإلا عوقبوا بالمنع عن التعامل مع "الهيئة العامة لقصور الثقافة" لمدة عامين.
ومع بداية مهرجانات النوادي الاقليمية بدأت النتائج الكارثية لهذه السياسيات الجديدة في الظهور، فقد كتب الصديق "محمد الروبي" واصفا ما شاهده من عروض ما يسمى بمسرح المقهورين بأنه اشبه بفقرات البرنامج الإذاعي الشهير "الغلط فين"، فيما جاء تقرير لجنة تحكيم مهرجان إقليم وسط وجنوب الصعيد المقام بسوهاج في نوفمبر 2012 (والتي شرفت بعضويتها) مفندا لمشروع "المقهورين" في مجمله، ومطالبا بالتحقيق في خروجه بهذه الصورة، ومع المسئول عن صرف ميزانيات لعروض بلا إنتاج تقريبا، كما تعرض لما قدم تحت اسم "مسرح الشارع" بينما أغلبه مجرد عروض مكان مفتوح (نشر التقرير كاملا في جريدة مسرحنا). وكان العبث والمراهقة الفنية باديان بشدة في فرض "تقنية سؤال الجمهور" الخاصة بمشروع المقهورين على عروض أخرى لا تتطلب ذلك ولا تتحمله، وهكذا، فالأمر لم يقتصر على الإستيلاء على تجربة النوادي وفقط، بل تجاوز ذلك إلى فرض تحكمات فنية سخيفة على عروضها ومبدعيها.
تلك الأوضاع الكارثية كانت بادية للعيان على نحو يصعب تجاهله، مما حدا بجريدة مسرحنا إلى الدعوة لندوة موسعة بعنوان "إنقاذ تجربة نوادي المسرح"، والتي عقدت في 3-12-2012، وحضرها رئيس الهيئة وقياداتها، والكوادر العاملة بإدارة المسرح، بما في ذلك مجموعة القيادة التي كانت مسئولة عن النوادي ومشروع المقهورين (ابو العلا وحجاج وعبير)، بالإضافة إلى جمع كبير من المهتمين والمسرحيين الذين شكلت النوادي خطوة مهمة في حياتهم العملية، وقد استمرت الندوة أكثر من ثلاث ساعات.
تحدثت في هذه الندوة مركزا على كارثة مشروع مسرح المقهورين، والذي إعترفت "صاحبته" نورا أمين أنها فشلت في إقناع ولو مخرج واحد بتطبيقه رغم العديد من الورش والدورات التي دربت فيها على هذا المشروع طوال خمس سنوات، ومما يثير السخرية أن "نورا" شكرت الثورة التي مكنتها من تحقيق حلمها، ولم تشكر أصدقاءها في إدارة المسرح الذين سهلوا لها تحقيق مصالحها، فهناك ما يؤكد أنها قد تلقت تمويلا عن هذا المشروع في نفس فترة عملها به في الهيئة، مثلما أن هناك شواهد لا يمكن التغافل عنها تشير إلى أن حجم التمويل المعلن الذي حصلت عليه نورا أمين من جهة واحدة قد تضاعف من عشرة آلاف دولار، إلى خمسين الف دولار، عبر استخدام اسم الهيئة (وربما أوراقها) بوصفها شريكا في المشروع، وهو أمر -لو ثبت-فمعناه بوضوح أننا أمام جريمة فساد وتربح شارك فيها من الهيئة وإدارة المسرح من شارك.
وأثناء حديثي في الندوة، واجهت سعد عبد الرحمن بأنه إذا كان يتهم فرق الشرائح بالسبوبة، فقد تحولت النوادي في عهده إلى سوق للنخاسة الثقافية تستغل فيه جهود وابداعات شباب النوادي وخاصة من أبناء الصعيد " الغلابة" من أجل تحقيق مكاسب مادية لجماعات التمويل الخارجي، ولم يبد عبد الرحمن أي رد فعل باستثناء اعتراض "لطيف" يرفض وصف الصعايدة بالغلابة!.
طالبت ايضا بإحالة الموضوع برمته للتحقيق ومحاسبة المسئولين عنه، وشددت على هذا المطلب أكثر من مرة آخرها كانت مقاطعة للكلمة الختامية التي القاها الصديق يسري حسان لينهي الندوة، وكان رد الفعل الوحيد هو إعتذار شجاع من الصديق احمد ابو العلا عن أخطاء مشروع المقهورين، ثم لا شيء آخر، لا تحقيق ولا مساءلة، واستمر الجميع يمارس عمله وكأن ما حدث هو مجرد خطأ بسيط عارض يمكن تجاهله ببساطة!، وما يثير الريبة أكثر وأكثر، أنه بعد شهور من هذا اليوم اصبحت مسئولا عن إدارة النشاط المركزي والتي تتبعها النوادي والورش، ومكثت فترة دون أن استطيع العثور على مستند واحد خاص بمشروع المقهورين، حتى تشكلت لجنة لتسليم جميع الاوراق الخاصة بإدارة الورش من عبير علي إلى الصديق ياسين الضوي الذي حل محلها، وعندما ثبت أن اللجنة لن تستطيع أداء مهامها قمنا برفع مذكرة لمدير المسرح الجديد، وحتى الآن لا أدري ما تم بشأنها!، وهو ما يدل على أن هناك حالة من التواطؤ العام والمستمر رغم تغير مدير المسرح تهدف إلى إخفاء ما قد يفضح الكثيرين.
وربما كانت النتيجة العملية الوحيدة لكل ما سبق هو ما تردد في الكواليس عن استبعاد عبير على من خلافة ابو العلا في إدارة المسرح، واستدعاء الزميلة دعاء منصور بدلا منها، لتبدأ مرحلة أخرى من التفسخ الداخلي الذي طال كل ما يتعلق بمكونات مسرح الثقافة الجماهيرية، وصولا حتى للإداريين العاملين بإدارة المسرح.
موسم النوادي الضائع وأشياء أخرى:
كان إختيار دعاء منصور كقائم بأعمال مدير عام المسرح مفاجئا للجميع، وذهب البعض مناحي شتى في تفسيره، فهي ليست فقط السابقة الأولى في تاريخ الهيئة وتاريخ المؤسسات المسرحية في مصر التي شهدت منح منصب فني بطبيعته لمن لا علاقة له بالمسرح سواء من حيث الدراسة أو الممارسة أو حتى الاهتمام او الخبرة الإدارية، ولكن ايضا لأن تلك الزميلة لم تخض خلال حياتها الوظيفية أي تجربة إدارية قيادية باستثناء أشهر قليلة قضتها على رأس الفرقة المركزية وكانت حافلة بما لايحصى من المشاحنات والعراك والمصادمات والشكاوي والتحقيقات والتي طالت رؤسائها ومرؤوسيها معا، إلى ان تنفس الجميع الصعداء لرحيلها. وظلت "الزميلة" أكثر من عامين دون عمل محدد ولم تكن تشاهد حينها في الإدارة إلا نادرا، عبر زيارات تفصل بينها اسابيع وربما شهور كانت تحرص على أن تكون في أوقات الإدارة فيها شبه خالية من الموظفين. إلى أن عادت في بداية مارس 2013 لتحتل مكتب مدير عام المسرح، وبغض النظر عن التفسيرات التي طرحت إزاء هذا القرار الغريب، والتي لن أتعرض لها هنا، فقد أثبت سعد عبد الرحمن أنه رجل يستميت في الدفاع عن قرارته الخاطئة، ولا يسمح لنفسه بمراجعتها قط، وهو ما بدأ منذ اللحظة الأولى وحتى قبل تنفيذ قرار الزميلة دعاء حيث إستجاب للتعديلات التي طلبتها على قرارات تم إصدارها بالفعل (مثل قرار تشكيل المكتب الفني لإدارة المسرح) وظل على هذا المنوال إلى أن خرج للمعاش.
بالنسبة لي كان أكثر ما يهمني حينها هو إنقاذ موسم النوادي 2012-2013، والذي لم يكن قد بدأ بعد، حيث كانت السنوات الأخيرة المضطربة قد ولدت عادة بيروقراطية سخيفة تقضي بعدم بدء إجراءات التحضير لموسم النوادي الجديد إلا بعد المهرجان الختامي، بالرغم من أن الدورة الورقية لبداية الموسم قد تستغرق وحدها من شهرين إلى ثلاثة. بادرت بالنصح أن المهمة الأولى للقادمة الجديدة هي اختيار مدير جديد للنوادي، مرشحا الصديق شاذلي فرح، الذي كان حينها في الصعيد يخرج أحد عروضه، باعتبار ان المرحلة تتطلب من يملك القدرة على الحركة السريعة، وهاتفت شاذلي ان انقاذ الموسم يتطلب العمل عبر صيغة لجان النقاش الأكثر سرعة، بدلا من صيغة لجان المشاهدة التي تتطلب زمنا أطول بكثير، وعندما اقتنع الجميع قمت بنفسي بكتابة الخطاب الموجه إلى الفروع والاقاليم ووقعته بدلا من شاذلي، وتم إرساله في الاسبوع الثاني من مارس 2013، واكتمل وصول المشاريع تقريبا في 10 ابريل حسب الموعد المقرر، وكنت قبلها قد قبلت منصب مدير النشاط المركزي -والذي صدر دون علمي- وهو ما كنت أرفضه طوال سنوات عديدة، وبدأت في العمل مع مسئولتي الميزانية والماليات بإدارة المسرح، والتواصل مع مسئولي الأقاليم من أجل حل مشكلة ميزانية النوادي التي كانت قد استنفدت تقريبا، وحاولنا تدبير بعض الوفورات التي تتيح إنتاج أكبر كم من العروض قبل 30-6، حتى لا يتم ترحيل المشكلة للعام التالي، على أن يتم إنتاج باقي المشاريع بعد 1-7، ومن جهة أخرى استدعيت الصديقين خالد رسلان وأحمد عادل القضابي لتكوين لجنة لقراءة المشاريع وتمرير الصالح منها حسب قواعد تم الاتفاق عليها، مثل جدية المشروع، وسابقة أعمال المخرج، بحيث تستكمل لجان المناقشة حسم المشاريع الباقية في اقل وقت ممكن، إلا أن الزميلة القائمة بتسيير أعمال إدارة المسرح قررت فجأة وقف هذه الإجراءات لحين الانتهاء من المهرجان الختامي، أو الحصول على موافقة رئيس الهيئة!، وهو ما دفعني لكتابة خطاب اعتذار عن منصبي ذكرت فيه بالتفصيل الاجراءات التي اتخذت والبدائل الاخرى الممكنة، وحذرت من أن المضى على هذا النحو قد يعني "شطب موسم كامل من تاريخ النوادي"،  وارسلت نسخة من هذا الخطاب إلى رئيس الهيئة.
ما حدث بعد ذلك هو أن مرحلة إقرار المشاريع التي كنت اتعشم الانتهاء منها قبل بداية مايو 2013، قد امتدت لأكثر من ستة أشهر، أي من ابريل إلى اكتوبر، ثم ستة أشهر أخرى للإنتاج والمهرجانات الإقليمية التي اقيمت في ابريل 2014، ثم خمسة اشهر إضافية للمهرجان الختامي المنعقد الآن في المسرح العائم، وبالتالي استغرق هذا الموسم الطويل –بلا مبرر- ثمانية عشر شهرا، من مارس 2013، وحتى سبتمبر 2014.
وهكذا ضاع موسم كامل هو موسم 2013-2014، وقد جادلتني الزميلة القائمة بتسيير أعمال ادارة المسرح بأن الإدارة السابقة هي السبب في هذه الكارثة، وهو أمر غير صحيح، فلو مضى الأمر كما خطط له لتم إقامة المهرجانات الاقليمية في يوليو والختامي في سبتمبر أو اكتوبر، مما كان يتيح وقتا كافيا للشروع في الموسم الجديد (وللعلم فموسم 2010-2011 تم تنفيذه في توقيتات مشابهة). كما أن التعلل بالظروف السياسية هو ايضا غير مقبول، ففي ظل هذه الظروف مضى العمل بمواسم فرق الاقاليم بطريقة طبيعية، مع العلم بأن هذه الفرق ومهرجاناتها أكثر تاثرا باي إضطرابات.
والغريب أنه حتى الساعات القليلة الماضية لا زلت أقابل اصدقاء تشكل النوادي جزءا هاما من اهتماماتهم المسرحية، ولكنهم لا يعون الكارثة التي وقعت، بحيث كان يتعين على في كل مرة أن أذكرهم بالتواريخ قبل أن يصمتوا فجأة من هول الصدمة. ولن نتوقف هنا عند مناقشة هذه الحالة التي تحتاج إلى تحليل مفصل. وبدلا من ذلك دعونا نعي حجم الكارثة أكثر، فهذا الأمر يتجاوز مجرد إهمال جسيم لا يمكن إنكاره أو تبريره من قبل مسئولي إدارة المسرح، ليشير إلى الحالة الكرتونية التي أصبحت عليها الهيئة مع سعد عبد الرحمن، فأين ذهبت إدارات وكيانات مثل التخطيط والمتابعة والتقييم، ومكتب فني، وإدارة مركزية للشئون الفنية، ورؤساء اقاليم، وإدارات فنية بالاقاليم، وقيادات فوق وقيادات تحت من هم فوق، كيف فات هؤلاء جميعا ملاحظة ما تقوله الأوراق التي ظلت تمر اسفل أنوفهم طوال عام كامل؟
ولا أدري بأي مهمة ينبغي أن يبدأ "مسعود شومان" رئيس الهيئة الجديد، هل يفتح الملف العطن لمسرح المقهورين، أم يحاسب المقصرين في إدارة المسرح على هذا الاهمال البشع الذي يواجهونه بدماء باردة أكثر مما ينبغي، أم يبحث كيف حول سعد عبد الرحمن إدارات الهيئة إلى مجرد ممرات عبور لأوراق لا يقرأها ولا يتوقف عندها أحد طالما لم يتلق أمرا مباشرا من رئيس الهيئة بفعل ذلك. وأيا كان الأمر فقد اصبح لازما على "شومان" البدء بهذه المهام على الفور إن كان يريد إيقاف الخراب، أما علاجه وإزالة آثاره، فهذا أمر آخر.


 عبد الناصر حنفي

نشر هذا المقال بنشرة النوادي المواكبة للمهرجان الختامي الثالث والعشرين لنوادي المسرح، على ثلاثة اعداد (من العاشر إلى الثاني عشر)
 من 21 وحتى 23-9-2014.
 تحت عنوان:"ولكننا جميعا نحب نوادي المسرح .. اليس كذلك؟
 عن شطب موسم 2013-2014 من تاريخ النوادي، واشياء أخرى"  

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

فضاء الاستعراض وموت الذات : قراءة في عرض "نص الليل"


منذ سنوات تعيش الثقافة المصرية بكافة مجالاتها حالة يمكننا تسميتها بــ " حفل استقبال ما بعد الحداثة " فعبر خطوات بطيئة بقدر ما هي حاسمة ، بدأت ظاهرة ما بعد الحداثة تستقطب الاتجاهات المتمردة خاصة في ميادين الممارسات الجمالية ، كما أنها من جهة أخرى باتت تستخدم بوصفها لوحة تنشين للعديد من المذاهب ذات الطابع السياسي والتي ترصدها بوصفها " ما لسنا عليه " و" ما لا ينبغي أن نكونه " ، وفي كل الأحوال ستبدو هذه الظاهرة وكأنها قد اقتنصت لنفسها سلطة تمثيل العالم في لحظته الراهنة ، بحيث أن انصرافنا إلى استخدام هذه السلطة أو مقاومتها لا يسفر عادة إلا عن المزيد من تأكيد وجودها وهيمنتها ، والمزيد من تسربها إلى واقعنا وحياتنا وأفكارنا ، على نحو يحجب عنا إمكانية تحليلها ورصدها بوصفها أكثر الظواهر الانسانية غموضا وتعددا على مستوى المفاهيم والاشكال الجمالية والمنطلقات النظرية .
وربما تأخرت بداية وقائع " حفل استقبال ما بعد الحداثة" في المسرح المصري ( على الأقل مقارنة بالأدب  والنقد ) ، ولكنها تسير حاليا على قدم وساق في خطوات لم يتخلف عنها مسرح " الثقافة الجماهيرية " برغم أنه قد يكون أكثر ميلا – بحكم تركيبه – إلى الصيغ المسرحية التقليدية المضمونة ، ففضلا عن العديد من عروض هواة نوادي المسرح فإن المواسم الأخيرة ل تخلو من عرض يقيم حوارا ما مع هذه الظاهرة ، مثل عرض "المزاد " لشريف صلاح الدين ( بيت ثقافة السنبلاوين  موسم 98 ) ، وعرض " الفاشوش " لعبد الستار الخضري ( قومية السويس موسم 99 ) وصولا إلى عرض " نص الليل " لأحمد طه " ( قومية الجيزة 2001 ) ، وأعتقد أن هذه القائمة مرشحة للتزايد عبر المواسم القادمة ، وهو الأمر الذي يجعل لزاما علينا أن نتناول هذه الظاهرة وعروضها على نحو أكثر جدية .

وقراءتنا لعض " نص الليل " تنطلق من أن تيمة العرض الأساسية هي الهيمنة النهائية لفضاء الاستعراض " وعبر هذا المدخل سنذهب إلى رصد وضعية " موت الذات " بوصفه أحد التيمات الفرعية للعرض ، وليس بوسعنا إلا أن نأمل في أن تضييق مساحة التحليل على هذا النحو قد يفضي إلى رصد أكثر دقة .
ومفهوم "الاستعراض" (  ) هو أحد التحليلات الأولي  - والأكثر تحديدا – لظاهرة ما بعد الحداثة، والتي ترصد أيضا آلية الانتقال إليها عبر ظاهرة الحداثة ، وقد أسس هذا المفهوم المفكر الفرنسي " جي ديبور" في كتابه " مجتمع الاستعراض " والذي صدر عام 1967 .
ويري ديبور "أن الاستعراض مأخوذا بمعناه الضيق يعني هيمنة وسائل الاتصال الجماهيرية التي هي تبديه السطحي الأشد بريقا " ( فقرة 24 ) ، أما من وجهة نظر أكثر شمولا فإن الاستعراض ينشأ عندما نصبح إزاء حركة تباعد للواقع على نحو يؤدي إلى اختفائه " حيث كل ما كان يعاش على نحو مباشر يتباعد متحولا إلى تمثيل " ( ف 1 ) وبالتالي يتم استبدال " العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه ، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع " ( ف 36 ) .
ولمزيد من الوعي بهذا المفهوم ، ينبغي التوقف قليلا عند مصطلح " التمثيل" (  ) ، والذي افضل  ترجمته بإعادة التمثل ، حيث البادئة (  ) تعني إعادة ، ولفظة (  ) تعني تمثل ، وبحكم طبيعته ، يأتي " التمثل " مرتبطا بالخبرة العيانية المباشرة بالواقع والعالم والتي تعيشها الذات العارفة ، بحيث تصبح هذه الخبرة المتمثلة والمحسوسة هي أساس تشكيل الفضاء المعرفي للذات ، والميدان الذي تنشط فيه حركة "إعادة التمثل" التي تسهم في انتاج المزيد من الترابطات المعرفية الأكثر تعقيدا .
ومع ظهور حالة الاستعراض الناتجة عن هيمنة وسائل الاتصال وتكثيف التبادل المعرفي ( على نحو غير مسبوق تاريخيا ) ، والتي تقوم أساسا على إنتقال التمثيلات بين الأفراد ، بحيث يطغي على الفضاء المعرفي وجود وحركة تلك التمثيلات ، والتي تزيح جانبا " التمثلات " أو الخبرة العيانية المباشرة لتصبح حركة الاستحضار أو الاستعادة قائمة أساسا على تحريك مخزون " التمثيلات " ، وعلى إجراء الترابطات بينها ، وبالتالي لا تصبح الآلية المعرفية الرئيسية هي "إعادة التمثل" أو التمثيل ، بل تصبح هذه الآلية هي " إعادة –إعادة التمثل " ، أو" إعادة التمثيل " .
وعبر هذه النقلة الحاسمة على المستوى الابستمولوجي ، يشحب حضور الواقع ، وتخفت العلاقة به ، وتبدأ التكوينات القائمة على أساسه ( مثل الذات ، المعنى ، الحقيقة ) في التضاؤل والانكماش ، بحيث أن حركة الاستعادة المركبة هنا تنتج ما يسميه "ميرلوبونتي " " الماضي الذي لم يكن حاضرا قط في أي لحظة سابقة " ، وعلى هذا النحو يظهر الاستعراض – كما يقول ديبور ، بوصفه " لحظة تاريخية مجمدة تتكرر بلا نهاية"  فالتمثيلات وترابطاتها تتجدد باستمرار ، ولكن الآلية العامة للحركة تظل كما هي .
ومفهوم الاستعراض ، كما هو مطروح هنا ، يشكل المهاد الأساسي لمعظم تحليلات ومفاهيم " مابعد الحداثة " التي يمكننا تعريفها بوصفها مرحلة في حياة الاستعراض ، يعي فيها نفسه ، ويدرك أ،ه بلا بديل ينازعه وجوده وهيمنته .
وفي هذا الاطار تنشأ الوضعية التي نطلق عليها " موت الذات " والتي تتحول هنا إلى مجرد وعاء تمرق عبره التمثيلات ، وكما ينطمر الواقع تحت ركامها ستنطمر الذات أيضا ، وذلك يتم على نحو لا يتيح إمكانية إستعادة وجودهما مرة أخرى ، مهما بذلنا من جهد ، لأنه ما دمنا سنبدأ هذا الجهد انطلاقا من  التثيلات فإن المحصلة النهائية لأي حرجة ممكنة هي مجرد الانتقال إلى تمثيلات أخرى .

ونستطيع رصد تبدي " هيمنة فضاء الاستعراض " بوصفه القيمة الأساسية ف يالعرض ، عبر تقسيمه إلى ثلاث وحدات سردية كبرى ، ورصد المسار الذي يجمع بينها .
1- في الوحدة الأولى : نحن أمام أعضاء فرقة مسرحية يتسربون إلى الخشبة تحت دعوى الاحتفال برأس السنة في بار مهجور ، مع التلويح المستمر بحدث ما منتظر سيتم استحضاره عبر تكشف بطيء ومتقطع لحكاية البار والفارس والحصان .
2- وفي الوحدة الثانية سيتم استعادة رحلة الفارس والحصان ، والتي تنتهي باعلان غرق الفارس في العالم / المستنقع ، وقرار الحصان بأن يقتل نفسه .
3- أما في الحدة الثالثة ، وهي الأقصر ، فثمة تلويح – مرة أخرى – بمسرحية سيقوم مخخرج الفرقة بكتابتها ( هي نفسها ما شاهدناه في الوحدة الثانية ) . ومع التهليل للمسرح يبدأ أعضاء الفرقة قي الانسحاب على دفعات لتخلو الخشبة وينتهي العرض .
وهكذا فنحن إزاء مسار يبدأ من انتظار الحكاية التي سيمرق عبرها ، ثم يتوقف مرة أخرى عند حالة انتظار عودتها وتكرارها غير المحدود ، والحكاية – بصفة عامة – هي كتلة من التمثيلات ، وباعتبارها كذلك ، فهي ساحة ظهور الاستعراض ، وميدان هيمنته ، وأداة عمله .
والعرض طوال الوقت لا يقدم تمثيلا  لواقع ، بل يقدم تمثيلا لتمثيل ، أو يسرد حكاية الحكاية ، وعبر مسار وحدات العرض ، فإننا لن نلمس وجود لحظة ذروة لا يتم تجاوزها ببساطة ، وليس ثمة نقطة نهاية نصل عندها إلى الحث على فعل التغيير أو حتى الرفض ، وكل المشاهد والأحداث التي يمكن قراءتها على هذا النحو يتم عبورها ببساطة إلى ما يليها ، ومصائر وتكوين الشخصيات لا تتبدل من حال إلى حال ، فذلك لا يتم إلا في نطاق استعادة الحكاية في الوحدة الثانية ، أي استعادة أحداث قد وقعت سلفا وانتهت ، وتلك الاستعادة لن تؤثر قط في أعضاء الفرقة المسرحية الذين يبدأ العرض وينتهي بهم .
وبالتالي فمسار العرض لا يهتم إلا باستعادة الحكاية ، والتأكيد – فقط – على إمكانية تكرارها ، مع تجاهل أي تأكيد على معنى أو موقف ما يمثل نقطة وصول أو نهاية ، فليس ثمة رسالة ، ولسنا أما أي شيء سوى " الاستعراض " وهو يؤكد هيمنته وقدرته على سلب مجال الحضور والفعل بأكمله ، وضرورة تكرار ذلك إلى ما لا نهاية .

ومن داخل هذه التيمة الرئيسية يمكننا الانتقال إلى رصد أنماط حضور ، وبالتالي موت ( أو اختفاء ) الذات .
ولنبدأ برصد أسماء أعضاء الفرقة المسرحية ، والتي تبدأ جميعها بلفظة " عين " ، والعين أداة حس لا تنشط إلا بما هو خارجها ، أي أنها في حالة تخارج مستمر ، وهاذ هو شرط وجودها الوظيفي ، وتقليديا ( في ثقافة ما قبل الاستعراض ) فإن تخارج العين موجه دائما نحو الواقع الحسي الملموس و المباشر ، أما في العرض ، فإن الجزء الثاني من اسم كل شخصية يحدد مجال تخارجها ، ويحصره في إطار نمط أو حزمة من التمثيلات ،( عين الحب ، عين الليل ، العين المنسابة ، عين الجاز ...الخ ) ، مما يجعلنا إزاء شخصيات بلا داخل ، بلا ذاتية ، تتحرك ( خاصة في الوحدة الأولى  والأخيرة ) طبقا لاحتكاكات عابرة بلا تاريخ أو ثقل أو تصميم ، إنها تدور داخل أفق من الحكايات الشخصية الصغيرة والتافهة ، والتي لا تكشف سوى عن الانفصال التام فيما بينها ، وغموض طبيعة علاقاتها ، بحيث أن محصلة هذه الخفة والتفاهة والغموض يؤهب تلك الشخصيات لتصبح مجرد " شاشات عرض " لحركة الاستعراض ، وممرات تنتقل عبرها تمثيلاته ، وهو ما يحدث في الوحدة السردية الثانية .
عن ا لرحلة التي تقصها الوحدة الثانية لا تستعاد عر الفارس ، بل عبر الحصان نرجس ، أو نرسيس ،و طبقا للأسطورة اليونانية  التي أحياها التحليل النفسي المعاصر فإن نرجس ليس سوى ذلك الذي يعشق ذاته ، أو يبحث عنها باستمرار ، والذي لا يكترث بالعالم إلا بوصفه وسيلة يرى ذاته من خلالها .
وبالتالي فإن اسم نرجس هنا يشير على أسطورة الذاتية كما دشنتها فلسفة الحداثة ، وخلال العرض سيمارس نرجس – للمرة الأخيرة – كافة الاختصاصات التي منحتها له هذه الاسطورة ، فهو يقود السرد ، ويصحح الأوضاع والتفاصيل ، ويوجه ردود الأفعال ويحول الفرقة – بمجرد حضوره – إلى كتلة تنتشر فوق الخشبة أو تلتف حوله في دائرة هو مركزها .
ولكن عبر تبدي نرجس بوصفه ذاتا حداثية أصيلة تؤسس لحضور العالم من حولها فإنه ينسحق تحت وطأة هذا الحضور ، وكما هو جدير بذات حقيقية يتعين عليها إبداء الرفض الراديكالي حينما تكون إزاء عالم لا يروق لها ، فإن نرجس يقرر أن يقتل نفسه ، و لكنه لم يتمكن إلا من الانسحاب إلى عمق الخشبة ، خلف باب البار الذي تشكل الجزء العلوي منه على هيئة قضبان سيتشبث بها نرجس وهو يراقب العالم – الذي يعتقد أنه من خلقه الخاص – وهو يستمر في صخبه وحركته دونما اكتراث بغيابه (المأساوي !) .
إن هذا المشهد – في اعتقادي – أبلغ مشاهد العرض وأكثرها حساسية ، فالمجموعة تتركز في منتصف الخشبة ، بينما ثمة إضاءة خافتة – ولكنها واضحة – على نرجس ، إلى أن تشتعل الخشبة بالحركة ، وتتغير الإضاءة ليختفي نرجس دون أن نلاحظ ، وكأننا هنا أمام تنفيذ هادئ - و متقن – لنبؤة فوكو حول " موت الانسان" ، واختفاء الذاتية ، والذي سيحدث دون أن يترك أثرا .
إن العرض لا يتعاطف مع نرجس ، ولا يمنحه امكانية تقرير مصيره بنفسه ، فهو يظهر بوضوح أن ما قتل نرجس هو إدراكه أن العالم لا يأبه لاحتجاجه ورفضه ، ولا لغيابه ، ولذلك كان لزاما عليه أن يتلاشي ويذوب بهدوء ، وبلا بطولة .
إن بقية أنماط الذاتية اليت يمكن رصدها في العرض ليست سوى تنويعات على النمطين السابقين ، النمط المتخارج تماما عن ذاته ( أو منعدم الذاتية ) لأعضاء الفرقة ، والنمط الأصيل والحداثي للذات عند نرجس ، وأهمية رصد هذه التنويعات تكمن في إظهار النحو الذي يعالج به " الاستعراض " هذه الأنماط ، بحيث سيبدو وكأن العرض يقوم على إجراء مسح وتقييم شاملين لكافة الذاتيات التي أنتجتها الحداثة .
ولرصد الأنماط التالية ينبغي أن نتوقف عند الإطار الأليجوري الذي يقدم نرجس من خلاله ، أي أليجوري ( أو أمثولة ) الحصان .
والأليجوري بوصفه تقنية بلاغية ، يقوم على تكثيف مجموعة مترابطة من التمثيلات ، والتي يهيمن علي حضورها نمط من الحركة الكنائية ، بحيث لا يمكن استدعاء إحدى هذه الحزم التمثيلية على حدة ، فهي تتحرك دائما  نحو حضور يتجاوز في طاقته ومداه ، طاقة ومدى الاستعادة التي تحفزه .
وأليجوري ( أمثولة ) الذات / الحصان تشتغل داخل العرض على ثلاث مستويات يشير كل منها إلى أحد أنماط الذاتية .
وأول هذه المستويات يستدعي – في تعارض لماح – أمثولة الحصان الحكيم " ياهو " الذي ظهر في الرحلة الأخيرة من رحلات جيلفر ، زالتي نشرت في مطلع القرن السابع عشر ، وهذه الأمثولة تقدم  - خلف قناع الحصان – ذاتا شديدة الالتصاق بالعالم كما ينبغي أن يكون ، إنها حالة من " التمثيل الخالص " الذي لايشوبه الزيف ، والذي يتفجر صمته بإدانة صارمة لكافة النظم الاجتماعية لعصر ما قبل الحداثة ، والتي يتم تنحيتها بضربة واحدة لأفساح المجال للتطلعات اليوتوبية الجديدة للحداثة الناشئة التي تستحضرها رحلات جيلفر بوصفها بلا بديل سوى اليأس والجنون والاستقالة من العالم .
وهكذا فإن حضور الحصان " ياهو" يظهر ليدشن نهاية العالم القروسطي ، ومطلقا شرارة البدء لحركة الحداثة التي لم يكن يستطيع إلا أن يراهن على انتصارها ، أما الحصان نرجس ، فيأتي ليدشن نهاية عالم الحداثة ونهاية تطلعاتها ورهاناتها واستقرار السيطرة الشاملة لفضاء الاستعراض .
هذا النمط من الذات " الماقبل حداثية" ذات الاحتجاج الصامت والمزلزل ، يظل في خلفية أمثولة الذات / الحصان ، والعرض لا يستدعيه ، ولا يهتم به ، لأنه لم يعد موجودا على الاطلاق إلا بوصفه بشارة بنهاية عصر ما ، نهاية تتكرر الآن ، ولكن بالنسبة لعصر مختلف .
أما ثاني مستويات اشتغال أليجوري " الذات / الحصان " ، فتكمن في ذلك التقابل المثير بين الحصان نرجس ، والجياد البرية ، والتي يتم استدعاؤها من مخزون أساطير الحداثة في طبعاتها الأولى حيث الكائنات البدائية النافرة من الحضارة وقيودها ، والذوات التي تعيش علاقة مباشرة مع الطبيعة العارية ، كل ذلك يشير إلى أسطورة الحياة الرعوية التي خلقتها الحداثة ( وكان روسو من أبرز دعاتها ) لتضع خلف ظهرها ماض جميل يمكن استعادته ، والعرض يستحضر هذه الأسطورة في مشهد جميل حافل بالتوريات الجنسية البريئة من الخجل المتحضر ، إلا أن العرض لا يلبث أن يقوم بتنحية وتدمير هذه الذوات المنشغلة بوجودها المباشر واحتياجاتها البسيطة ، هذه الذوات ستختفي بمنتهى القسوة والسرعة وكأنما كانت مجرد حلم يتنفسه العرض ، وذلك يتم ليس لأنها قد هزمت أو تحطمت ( فهذا نصيب ترجس وحده ) ، بل لأن عالمها نفسه قد أحرقته الحداثة ( الأم التي أنجبتها ) وبالتالي لم يعد بإمكانها أن توجد .
أما آخر مستويات اشتغال أليجوري الحصان / الذات ، فسنجده عند فحص ذلك التعارض الوظيفي بين الحصان والفارس ، بوصفه تعارضا بين مظهرين من مظاهر وجود الذات ، فهناك الذات المتمثلة ( الحصان ) القادرة على تأسيس المعرفة بالعالم عبر التأمل الداخلي ، بحيث يصبح العالم جزءا مما هو  " داخل الذات " ولنلاحظ أن العرض يقدم الحصان – وليس الفارس – بوصفه من تعلم من الرحلة .
وفي الطرف الآخر من التعارض يأتي الفارس ، أو " الفاعل " والذي يندفع باستمرار تجاه الخارج ، أو  تجاه العالم ، بحيث يظل في حالة انهمام دائمة بما يمكن فعله ، إن الفاعل هنا هو الذات في حالة تخارجها وسريانها داخل العالم ، وهذا السريان يتكئ على استمرار طاقة الدفع والتوجيه من الذات المتمثلة ، أي الجانب الداخلي للذات ( والذي أصبحنا الآن نعرف أن مصيره هو مصير نرجس ) .
والعرض – على مدى مساره بالكامل  - لا يكاد يرصد سوى انفصام العلاقة بين هذين الجانبين من جوانب وجود الذات ، فهو يستبعد كل الأنماط التي تحتوى على الجانب الداخلي ، بحيث لا يستبقي في النهاية سوى " الفاعل " الذي يصبح بلا ذات ، إنه مجرد اسم بين أسماء متعددة ( لورنزو ، لورانزاشيو ، عين الليل ) وهذا الفاعل هو المكلف مع نهايةالعرض بأن يضمن تكرار الحكاية .
ولكن الفاعل بلا ذات هو مجرد أداة ، أو آلة ، ماكينة تشغيل ينبغي أن تحصل على من يسيطر على أزرارها ، وهنا نعود إلى النتيجة التي استخلصناها من تحليلنا لتيمة العرض الرئيسية ( هيمنة فضاء الاستعراض ) والتي تلتقي هنا مع نمط الفاعل / الأداة ، الذي يستبقيه العرض من بين جميع أنماط الذاتية ، لنكتشف أن الطاقة الدافعة هنا لماكينة الفاعل هو الاستعراض نفسه ، ذلك الفضاء الذي تخلف عن نهاية رهانات االحداثة ، والذي استحوذ لنفسه على كافة امتيازات " الذات " ، دون أن يكون ذاتا ، والذي لا يرضى بأقل من الاستلاب الكامل والمعمم لكل لحظات الوجود الانساني ليحولها إلى أداءات  منسابة على نحو عبثي .
 لم يعد هناك ما هو خارج الاستعراض ، وكما يقول " جان بودريار" فنحن إزاء " بلوغ نقطة لا يمكن أن يحيا المرء عندها إلا بما يتبقى ، إنها بقاء بين الأطلال أكثر من كونها أي شيء آخر" .


عبد الناصر حنفي

قلق المسرح..قلق الوجود تأملات نظرية حول عروض مهرجان مدن شرق الدلتا





ربما كان تقلص نسبة العروض التي تتبنى أنماط التفكير المسرحي التقليدي هو أبرز سمات هذا المهرجان الذي لم يشهد سوى عرض واحد ( من 12 عرض) يمكننا أن نصنفه كعرض تقليدي تماما.
وتأتي هذه السمة مصحوبة بتصاعد ما يمكن تسميته بالقلق المنهجي تجاه أسلوب أو طريقة بناء العرض ، والتي عادة ما كانت تشهد خليطا مكونا من أكثر من طريقة في التفكير، إن لم نقل أكثر من منهج مسرحي.
ولتوضيح هذه النقطة فعلينا أن نقول أنه من المألوف أن نجد منهجا مسرحيا مستقرا يسيطر على العرض ويحاول أن يستوعب أو يستثمر لصالحه تقنيات أو طرائق تعود إلى مناهج مسرحية أخرى،وهذا أمر مختلف عما نحن بصدده هنا، فنحن إزاء حالة من الاختراقات المستمرة، أو فلنقل الازاحات المستمرة، والتي لا تتراكب معا لتنتج مسارا منهجيا مستقرا.
وبعض مصادر هذا القلق المنهجي يمكن إرجاعها – ربما- إلى ظروف تتعلق بالمرحلة الآنية لمسرح الثقافة الجماهيرية (خاصة فيما يتعلق بعملية إحلال جيل جديد من المخرجين، وهو ما يجري منذ عدة سنوات) إلا أنني أعتقد أن الكتلة العظمى لهذا القلق تعود إلى المناخ السياسي والاجتماعي الراهن، والذي يفرز ذاتا (قومية) على قدر غير مسبوق من وضوح الملامح، على الأقل فيما يتعلق بما تخشاه تلك الذات،وذلك في اللحظة نفسها التي تبدو فيها هذه الذات وكأنها مهددة بالفناء والزوال.
وهذا الاعتقاد قد يعززه ملاحظة أن معظم العروض تستدعي الآخر في صورة من يملك القدرة على التدمير والإفساد والفناء، من يملك التحكم (علانية أو خفية) في مصائرنا،والأكثر غرابة أن صورة الآخر يتم استدعاؤها على هذا النحو بغض النظر عن العلاقات التي يقدمها العرض، بحيث تبدو أحيانا وكأنها جسم غريب(بقدر ماهو قاهر) يصطدم به العرض عند نهايته.
هذه الصدمة التي يكاد العرض يعيها بصعوبة(ولكنه يتركنا نراها وكأن هذه هي كل مهمته) ساهمت إلى حد كبير في بلورة لحظة نهاية ذات طابع ملتبس شمل كل العروض تقريبا، فثمة مالا يمكن السكوت عليه أو مالا يمكن تحمله، ثمة شيء بالغ الفظاعة يحدث لنا جميعا، ولا نملك له ردا ، وفي هذا الإطار فإن تجميع كافة ممثلي العرض عند الحافة الأمامية لخشبة المسرح ( وهي لقطة انتهت عندها أغلب العروض) هذا التجميع الصارخ سيبدو أحيانا وكأنه محاولة للم الجهد تجاه المقاومة ولكنه سيبدو أكثر وكأنه انصهار للجميع تحت وطأة ألم لا يطاق.
وفي هذا الإطار شهدت عروض المهرجان (باستثناء عرض واحد) غيابا لعملية التأمل في تنوع المجموع، أو في اختلاف ردود الأفعال حسب طبيعة العلاقات والمواقف، أو غياب التفرد الخاص لكل شخصية فوق الخشبة ،فقد بدا وكأن الكلمة (أو النص الحواري) تقود الجميع، فهي تعطي تركيزا أو تأكيدا كاملا لمن يملكها (أو ينطقها) بحيث لا يتبقى أمام الجميع سوى أن يندفعوا تجاهه بحركتهم أو ردود أفعالهم ، أو أن ينزلقوا نحو سكون جامد وكأنهم غير موجودين فوق الخشبة.
وفيما عدا استثناءات قليلة ، فإن الملاحظات السابقة قد قادت الأداء التمثيلي تجاه الخضوع لهيمنة ما يمكن أن نطلق عليه "نمط التخارج" بحيث بدا أن كل ما يتم تداوله أو توزيعه فوق الخشبة (من جمل حوارية إلى جمل حركية إلى انفعالات وردود أفعال) وكأنها مجرد تحصيل حاصل، وكأنها تقول "هنا حزن" هنا غضب" بدلا من أن تقدم حزنا حقيقيا أو غضبا حقيقيا،وكأنما لم تعد هناك خصوصية للمشاعر والانفعالات بحيث تكفي مجرد الإشارة إلى  إحساس ما لاستدعائه أو استحضاره/ لم تعد مشاعرنا شيئا داخليا نطرحه على العالم بقدر ما أصبحت تحيط بنا – في الخارج- كالجدران،بحيث تكفي أبسط الإيماءات للفت نظرنا لوجودها.

هنا تتجمع ملاحظاتنا لتومئ بأن ثمة حالة من خمود الروح (أو مواتها)، حالة من الاستلاب أو الاغتراب تجاه وجودنا ذاته ، والتي تجعلنا بلا داخل ، بلا عمق، بلا قدرة على الفعل إزاء العالم.



إننا إزاء مفارقة ذات طابع مأساوي إلى حد ما، فكلما حاولت هذه العروض تقصي مصدر الخطر القومي ستجد نفسها وقد فقدت قدرتها المنهجية على التماسك الداخلي ، وعلى التأمل في عالمها الخاص .
وعلى مستوى آخر يمكننا قراءة هذه المفارقة بوصفها صرخة مدوية – بقدر ما هي غير مقصودة – إنها صرخة نابعة من اللاوعي ولكنها تنادي بحاجتنا إلى وعي مختلف تماما في علاقتنا بالعالم ، صرخة قد تظل غير مسموعة بوضوح لأنها لازالت مكبلة بالأكليشيهات المباشرة للخطاب القومي العتيق ، ذلك الخطاب الذي كلما حاولت هذه العروض إبرازه أكثر كلما عزلته على السطح أكثر فأكثر.

لقد جاءت هذه العروض  من خمس محافظات مصرية أي أن ملاحظاتنا -إن صدقت- تدور حول عمل كم غفير من المبدعين وتتوزع على مناخات جغرافية متباينة ،وبالتالي فهذا يعني أن الأمر هنا لا يتعلق بالكفاءة الفنية لمبدعي هذه العروض ومدى قدرتهم على صياغة رؤى مختلفة ومتحررة حول اللحظة الراهنة ، بقدر ما يتعلق بأزمة وجودية تأخذ بتلابيب هذا المجتمع ، وهي أزمة قد تتحول في لحظة خاطفة إلى مصعد جبار يهبط بنا ( ومن يدري فقد يصعد بنا ) إلى وضع مغاير يكفي أن نقول عنه أنه قد يكون مختلفا على نحو يصعب توقعه .
ولو كنت أملك تفاؤل "جولدمان" (بتجاوزاته المنهجية ! ) لطالبت هذه العروض بتقديم رؤيتها حول "الوعي الممكن" الذي يمثل مخرجا من هذه الأزمة ، ولكن للأسف الشديد فقد بتنا نعرف أن الفن لا يستطيع أن يلعب هذا الدور " النبوي" أو "الرائي" بعيدا عن  الدعم المناسب لأطر المعرفة الاجتماعية بأشواقها الوجودية وقدرتها على الاندفاع نحو العالم ، لذلك لا يبقى لنا سوى أن نأمل  أن ثمة طاقة اجتماعية مخزونة أو حبيسة في مكان ما من أرواحنا في انتظار اللحظة المناسبة لتندفع نحو مواجهة مستقبلها،
 أجل .. لنأمل أننا لم نمت بعد.


 عبدالناصر حنفي

" طبول فاوست " وتجاوز لعبة المسرح الصوتي



بغض النظر عما إذا كنا نقبل أو نرفض منهج " انتصار عبد الفتاح" في بناء عروضه ، فمما لاشك فيه أنه يشق لنفسه طريقا غير تقليدي لا تتحدد مساراته بالكلمة أو بالحدث أو حتى بارتعاشات عضلات وجه الممثل ،  بل تعمل دائما على تحطيم هيمنة هذه العناصر التي لا يتصور البعض أن المسرح يمكن أن يوجد بدونها ، ورغم ذلك ، فمع عرض " طبول فاوست" سيبدو وكأن انتصار قد غامر بالتحرك بعيدا إلى حد ما عن هذا المنهج الذي بلغ نضجه مع عرض "مخدة الكحل" وارتد نحو حالة من التعايش المسالم وغير المتمرد مع عملية توليد المعنى عبر الجمل الحوارية المطولة التي يتراشق بها الممثلون وقد قطبوا جباههم وبثوا بعض الرجفة في حناجرهم ، وهو ما استولى على أغلب زمن العرض .

اللعبة الجمالية للحداثة :
ولانجاز هذه المهمة فإن علينا وصف اللعبة الجمالية العامة للحداثة والتي تتمحور حول الرهان على التوغل عند حواف الأشكال الجمالية ، حيث المناطق المعتمة وغير المكتشفة والتي تختفي عندها الصلات الواضحة والمعتادة بين مكونات العمل ، وتتباعد المسافات بينها ، وهذا الرهان يولد " دعوة" للمتلقي إلى استجلاب التأويلات المرهفة والمتعددة والمتكاثرة على نحو لا يمكن استنفاده ، أما القاعدة الأخيرة للعبة ، والتي توجد خارج العمل تماما ، فهي تلك الرغبة العامة التي تفترض الحداثة أنها تحكم مناخ التلقي ، والتي ترى أن المعنى الحقيقي لا يمكن اكتشافه على مستوى العلاقات الرئيسية الواضحة للعمل ، بل ينبغي علينا التسرب إلى شقوقه ودقائقه .
ويكتمل ظهور اللعبة بشروطها ، أو قواعدها الثلاث إذا ما توافرت حالة مرتفعة من الإثارة الجمالية التي تحفز أو تنشط العلاقة بين كل من الرهان ، والدعوة ، والرغبة ، وبالطبع فإن طبيعة اللعبة لا تتغير أيا كان العنصر أو التقنية التي تقوم بالدور الرئيسي في تفجير تلك الحالة.

لعبة المسرح الصوتي :
وضمن الأطر العامة للعبة الحداثة المذكورة ، فإن منهج " انتصار" ، والذي يطلق عليه " المسرح الصوتي " ، يعتمد بالدرجة الأولى على التباينات الصوتية ( الإيقاعات – الآلات الموسيقية-  الحنجرة البشرية ) إلا أن الصوت ، كعنصر جمالي ، وبكل ثرائه الحسي ، يظل غير قادر على دعوة ، أو استجلاب النشاط التأويلي ، ويبقى متموجا عند حافة " التمثيل " (  ) ، حيث يمكنه أن يضفي شعورا ما ولكن دون بناء تمثيلات ، ولذلك فإن استكمال قواعد لعبة المسرح الصوتي ( الذي يعتمد عادة على تيمات بسيطة ) يقوم على تنظيم هندسي صارم للفضاء المسرحي وحركة المؤدين ، بحيث يتطور العرض عبر ذلك الظهور البطيء والمتوالي لأشكال مثل الخط المستقيم الذي يظهر غالبا في منتصف مساحة الفعل المسرحي ، أو الخطوط المتقابلة على جانبيها ، وكذلك المثلثات ، وهي كلها أشكال تطرح نفسها كإحدى ذرى الفعل المسرحي ، بحيث أنها بتكرارها الدائم عبر مسار العرض ستدشن ظهور مجموعة هائلة من الأوضاع والحالات ، على نحو تبدو معه العلاقات الأولية والبسيطة التي تتكون منها تيمة العرض وكأنها مجرد سطح رقيق يدعونا لتجاهله واختراقه للخوض في هذا المدى الواسع واللانهائي  لتلك العلاقات ( الهندسية ) الدقيقة والمرهفة والتي لا يمكن استنفاد امكانياتها الدلالية . وهو ما سينتج عنه مفارقة تثير العديد من المواقف المتناقضة تجاه لعبة المسرح الصوتي ، فمن ناحية هناك محدودية في الخيال المسرحي الذي يتحرك هنا في مناطق ضيقة للغاية بينما من ناحية أخرى لا يمكن إنكار حالة الثراء الدلالي الناشئة عن انقسام هذه المناطق الضئيلة إلى كثرة من العلاقات الدقيقة وفيما تشكل هذه المفارقة خصوصية تجربة المسرح الصوتي ، فإنها في الوقت نفسه تمثل حدوده التي لا يمكن تجاوزها دون العديد من التضحيات والخسائر .

تجاوز حدود لعبة المسرح الصوتي :
وبرغم أن " طبول فاوست " تظل وفية لمعظم قواعد لعبة المسرح الصوتي إلا أن اللعبة هنا تبقى في حالة نشاط خافت نتيجة محاولة تحميلها بما يتجاوز طاقتها ، فقد انساق العرض إلى الاحتفاظ بالثراء الميتافيزيقي للتيمة الفاوستية القائمة على تلك الرغبة العارمة في امتلاك العالم وتنظيمه، والتي تتجلى عبر خيارات - شيطانية - تتقلب باستمرار في حركة عنيفة ، وهو ما يبدو أنه مثل إغراءا فكريا لا يقاوم للمخرج ، بحيث لم يعمد إلى تبسيط علاقات هذه التيمة كما يقتضي منهجه ، كما لم يحاول تذويب هذه العلاقات بالكامل عبر التنظيم الهندسي للفضاء المسرحي ، بل فضل أن يتبدى الجزء الأساسي من هذه العلاقات عبر الجمل الحوارية المطولة التي جاءت في أداء تقليدي لم يعد قادرا على تحقيق أي إثارة جمالية مهما كانت قدرات الممثلين ، ومن جهة أخرى فإن هذه الفواصل الحوارية كانت تبدد الأثر الجمالي المنعش الذي تحدثه الفواصل الصوتية والموسيقية .
إن تطوير إمكانيات لعبة المسرح الصوتي هو بالتأكيد أمر يمكن أن يتمخض عن مغامرات جمالية واعدة ، إلا أنه يبدو أن مثل هذا التطوير  يتطلب جهدا أكثر مما بذل في عرض " طبول فاوست" .


 عبد الناصر حنفي

دونج : صدى الحداثة المتأخرة



للوهلة الأولى سيبدو عرض الافتتاح البولندي " دونج" مفتقدا إلى الحيوية والإثارة الحسية أو الجمالية التي تجسر الفجوة بينه وبين المشاهد لتجنبه الوقوع في حالة الملل ، كما سيبدو أن هناك قدرا ضئيلا من التنوع في التقنيات المسرحية والتيمات المعالجة ، وإيقاع العرض بطيء في مجمله وكأنه يتقلب في تمهل بالغ داخل إطار ضيق .
وبالطبع فهذه الملاحظات السابقة يمكن أن تؤخذ باعتبارها عيوبا بنائية قاتلة للعرض ، وهدفنا هنا ليس نفي أو دحض هذه الانطباعات والآراء التي تنطلق في هذا الاتجاه ، بل سنحاول تحليل الكيفية التي ينتج عبرها العرض هذه الملاحظات بوصفها جزءا من تكوينه ، ومن رهانه ، وليس كانحراف أو خطأ لم يتم الانتباه إليه ومعالجته، وهو ما يدعونا إلى بحث المنهج الجمالي الذي يتقصاه العرض ، وذلك بغرض تفهمه الترعف عليه ، أما مسألة قبوله أو رفضه فهو أمر لن نتعرض له هنا .

1- اللعبة الجمالية للعرض والحداثة المتأخرة :
يشير مفهوم اللعبة الجمالية إلى طبيعة نظم حركة عناصر العمل الجمالي ، وحدود الفضاء الذي لا تتجاوزه  هذه الحركة ، وذلك بغض النظر عن الأفكار أو المفاهيم التي يمكمن أن تحيل إليها هذه العناصر .
وطبقا لهذا التعريف ، يمكننا تصنيف العرض بوصفه ينتمي إلى مدار اللعبة الجمالية للحداثةالمأخرة ، (   ) ، وهي مرحلة كانت بمثابة المنحنى النهائي والأخير لحركة الحداثة خلال عقدي الستينات و السبعينات ، والرهان الأساسي الذي توجه نحوه هذه اللعبة يتمحور حول تكثيف حضور وفعالية عناصر جمالية معينة عبر إحاطتها بفضاء خاو يخلقه غياب العناصر الأخرى ، وهكذا سيتخلص العمل من أي عناصر يمكن استبعادها أو حذفها بحيث تنحصر حركته في أضيق دائرة ممكنة على نحو يتيح الإصغاء لكل ما يمكن أ، تهمس به محتويات هذه الدائرة .
وانطلاقا من هذا الاطار النظري يمكننا إعادة قراءة الكثير من علاقات العرض ، مثل هيمنة التكرار على البنية الداخلية للمشاهد ، بحيث سينقسم كل منها إلى عدد قليل من الأفعال والجمل الحركية والايماءات التي تعاد كما هي تماما ، أو مع بعض التعديلات البسيطة .
وكذلك انحصار ساحة التمثيل فيما يشبه صندوق قليل العمق يبرز في الثلث الأخير الأوسط من خشبة المسرح ، ورتابة الإضاءة التي لم تتغير تقريبا طوال زمن العرض ، وظهور الموسيقى في معظم الأحيان بوصفها خلفية صوتية مصاحبة تشكل إطارا خارجيا للفعل المسرحي دون أن تساهم فيه ، أما السينوغرافيا ، فبرغم تعدد اللوحات التي ستعبر صندوق التمثيل من جهة لأخرى ، فإننا سنكون دائما إزاء نفس الكتل اللونية الخاضعة لهيمنة درجة كابية من الأزرق الفاتح الذي قد ينحدر بنعومة لا ينبغي إغفالها إلى تخوم الأبيض والرمادي ، كما قد تخترقه خطوط مفلطحة تتراوح بين الأخضر والأسود إلا أنها دائما ذات درجات كابية أو مطفأة .
أما وحدات الديكور وقطع الإكسسوار القليلة والبسيطة أيضا ، فما أن تظهر فوق الخشبة حتى يتم سحبها إلى الكواليس ، وهذا العبور الخاطف والمستمر سيضم أيضا الممثلين الأربعة الذين تمحورت حركتهم الأساسية في الاجتياز المتوالي لخشبة المسرح ، أو في العبور من كالوس لآخر ، أما فترات توقفهم أمامنا فيسيطر عليها أداء يتقصى مبدأ الحد الأدني من الانفعال والجهد ، والذي لا يشي بأي درجة من التحفز أو التوتر ، وكأننا أمام استعراض هادئ لظهور طاقة الممثل التي لا تندفع تجاه نقطة محددة ، طاقة لا تهتم سوى بتحريك كائنات لم تعد ترغب في شيء ، ولم تعد ترفض أي شيء ، ولكنه لا زالت ( بواسطة ذلك كالاسترخاء الإنساني للجسد فوق الخشبة ، بعيدة تماما عن أن تكون مجرد آلالات متحركة .
إن هذه التقنيات مهما تعددت أشكال ظهورها وتعقدت علاقاتها الداخلية ، تظل غير قادرة على اجتذاب تعاطفنا، فهي لا تنتج سوى أشكال تصدمنا دائما بلا مبالاتها الصلفة ، ورفضها المحبط لمحاولاتنا في الاندماج مع الفعل المسرحي أو حتى في تلقيه بحميمية ، هذا الإحباط المستمر سيؤدي بنا إلى الشعور بالسأم والملل ، وربما بالقلق والتوتر إزاء هذه السطوح الملساء الصامتة ، إلا أن رهان العرض القادم من الحداثة المتأخرة ، هو أن ثمة تحولا ممكنا لعملية التلقي من الملل إلى التأمل الهادئ الذي سيقودنا من السطح الساكن إلى العمق الذي تعتمل فيه علاقات العرض التكوينية حيث تبدأ خصائصه الجمالية المرهفة في لفت إنتباهنا إلى ما يهمس به العرض داخل الأطر الضيقة التي اختارها لنفسه .

2-  تيمة العرض : الصورة المتحركة في فضاء ما بعد الحداثة : ــ
في العام الماضي شاهدنا العرض الهولندي " الجوهر " والذي كان ينتمي إلى مرحلة الحداثة المتأخرة في تقنيته وتيمته التي تمحورت حول استعراض حدود تحولات المصير الانساني في تتابع بسيط يكاد يتقصى دورة الحياة والموت ، وربما لم يفلت عرض " دونج" من ذلك الاهتمام الوسواسي ، اليائس ، بقضية مصير الإنسان ، والتي طرحتها الحداثة المتأخرة في كل المجالات المعرفية بتوسع وقلق غير مسبوقين ، إلا أن العرض يستحضر هذه القضية عبر تيمة مختلفة ، وهي الصورة المتحركة ، أو بمعنى أدق الصورة المزاحة ، وهي تيمة خلقت ما بعد الحداثة الاهتمام بها ، بل وحاولت وضعها كعنوان أو مدخل لمعالجة الواقع المعاصر برمته تحت اسم " عصر الصورة " .
وهذا التداخل المعقد الذي ينطوي عليه العرض بين تقنياته وتيمته يجعله يبدو وكأنه صدى لصوت الحداثة المتأخرة الذي يدلي بتشاؤمه أو مخاوفه إزاء هيمنة الصورة محاولا اقتحام الفضاء الخاص لما بعد الحداثة حيث تستقبل هذه الصورة دائما بحالة من البهجة والتفاؤل غير المحدودتين .
ويتعامل العرض مع الصورة على مستويين ، أولهما الصورة بوصفها إطارا تم داخله التقاط – أو سجن – الفعل الإنساني ليصبح قابلا للتكرار الرتيب ، وقابلا للإزاحة البسيطة المستمرة التي ستظل تؤرجحه بين الظهور والاختفاء ، أو بين الحضور والغياب دون مبرر يمكن الإمساك به ، وهو ما ينقلنا إلى المستوى الثاني حيث الصورة قد أصبحت محددا للفعل الإنساني لا مجرد إطار له .
ويكاد العرض أن يقتصر على ذلك الانتقال البسيط ، وغير المحسوس تقريبا من المستوى الأول إلى الثاني ، فالأجزاء الأولى منن العرض تكاد تتلخص في وجود راو أو معلق عند مقدمة صندوق  التمثيل ، وفيما سيدلي بتعليقاته القليلة ستظل الصور تتوالى من خلفه ، صورا مرسومة على ستائر تتحرك بعرض الخشبة ، أو صور إيمائية يستعرضها أمامنا الممثلون خلال عبورهم  جيئة وذهابا ، وسيتطور التتابع ببطء بحيث يعبر الممثلون الخشبة وهم يمسكون بماكيتات مرسوم عليها أشكال مماثلة لما نراه في لوحات الخلفية ، ثم ستعبر الخشبة – بتلكؤ – لوحة تمثل الجزء العلوي برجال ذوي سترات سوداء وقبعات سوداء ( مثل الممثلين أنفسهم ) وفي المنتصف ستتمهل اللوحة ليهرع بعض الممثلين للوقوف خلفها وكأنهم يكملون – بسيقانهم وأقدامهم – الجزء السفلي الذي أهملته اللوحة ، وفيما بعد سيتوالى عبورهم وقد إلتصقت الماكيتات بأسفل أقدامهم ، وهكذا يذوب الإنسان في الصورة .
أما المشهد قبل النهائي ( والذي يمكن النظر إليه بوصفه ذروة يعود منحنى العرض بعدها للهبوط الختامي في اتجاه استعادة وتكرار المشهد الافتتاحي ) فيشير إلى الفعل الإنساني وقد صادرته الصورة لصالحها ، في هذا المشهد الاستثنائي في العديد من مكوناته سينضم ثلاثة ممثلين فوق المقاعد وكأنهم كتلة واحدة تتحرك وتميل معا ، وقد وضعوا أمامهم " ماكيت " لعين كبيرة اختفوا جميعا خلفها بحيث لا تظهر سوى رؤوسهم ، ومن الطرف الأيمن سيميل أحدهم ليغترف الماء من دلو بجواره ثم يصبه في ماسورة – أو مزراب – تبدأ من أعلى ماكيت العين ثم تمر بأسفله لتصب في صحن كبير موضوع بجوار أقدام الممثل الجالس في الطرف الأيسر ، وبعد قليل سيتبدل وضع الدلو والصحن ، ولكن الفعل العبثي الذي يتم عبر العين و بامتدادها سيظل كما هو ، وبنفس تتابعه وتكراره ن وهذا المجاز الجميل للتعبير عن الصورة المزاحة التي تتحرك في إزاحة مستمرة وعبثية سيتأكد بالنحيب الإنساني الموجع الصادر عن الممثل الرابع – المنفرد – والذي سيقطع الخشبة جيئة وذهابا محاولا البحث عن وسيلة لانضمامه إلى هذا الفعل العبثي ، فلا يجد سوى أن يحاول صيانته وحمايته عبر إيماءات تفيض بالحنين .
وبعد أن يتم العرض مشاهده ، سيصطف الممثلون الأربعة ، وسيرفع كل منهم ناقوسا صغيرا ، ويدق دقات خافتة ، قبل أن ينسحبوا جميعا من الخشبة التي ستخلو للوحة الخلفية وصورتها بما تحتويه من مناظر طبيعية .
وفي النهاية ربما كانت تلك الدقات التي يطلقها العرض مجرد صدى لرنين كان هادرا وعاصفا فيما مضى ، وربما جاءت في غير زمانها المناسب ، أو في غير مكانها المناسب ، ولكن هذا لا يعني أنها لا تستحق أن تسمع .

 عبد الناصر حنفي


نموذج العالم : رهان يائس على التبسيط




العرض الراقص " نموذج العالم " الذي قدمته فرقة مسرح موسكو الموسيقية للفنون التشكيلية ،سيبدو وكأنه يدعونا لتأمله من جانبين يأتي كل منهما من فضاء مختلف ومغاير للآخر باهتماماته ورهاناته ومحتوياته وتوازنات القوى داخله ، الجانب الأول – أو الفضاء الأول – يتصل أكثر بالطابع التقني للعرض ، والذي سيظهر هنا بوصفه إحدى محاولات المسرح الراقص في البحث عن آليات سرد مسرحي خاصة به بحيث تعوض غياب اللغة، وهو ما يسمح لهذا النوع المسرحي بأن يتجه إلى إعادة تقديم تيمات وتجارب سبق تقديمها في أنواع فنية أخرى ، وذلك بهدف أن يستكشف هذا المسرح حدود انتشاره وامكانياته في التعامل مع العالم ، وانطلاقا من هذا الفضاء يختار العرض لنفسه تيمة "التكوين " أو "التعلم" ، والتي تتناول نمو وتطور علاقة الفرد بالمجتمع والعالم ، وهي تيمة شكلت مجال الحركة الأساسي لرواية التكوين التي كانت أهم التيارات الروائية على الاطلاق طوال القرن التاسع عشر .
أما الجانب الثاني – أو الفضاء الثاني – الأكثر اتصالا بخصائص تيمة العرض ، فهو ثقافة تيار استعادة الحداثة الأولية ، أي حداثة القرن التاسع عشر وما قبله ، والتي أسستها الثورة الرومانسية ، وقد ظهر هذا التيار في روسيا التسعينات كمحاولة لمد الجسور مع الماضي ما قبل الشيوعي .
ويجمع بين هذين الفضائين رغبتهما – المشبوبة بالحنين – في استعادة الماضي ، إلا أنهما يختلفان في طبيعة توجه هذه الرغبة ، إذ يهدف الفضاء التقني للمسرح الراقص إلى استعادة التجارب السابقة لوصفها في إطار جمالي جديد ، وهو ما يعني إعادة توزيع علاقاتها البنائية على نحو قد يؤدي إلى كشف جوانب كانت خفية في هذه التجارب ، أما فضاء تيار استعادة الحداثة فيراهن على تبسيط الماضي وتقديمه كبديل لهذا الحاضر المعقد والمرتبك ، والعرض بأكمله ليس سوى نتيجة لهذا التداخل بين الفضاءين ، وهو ما سنحاول توضيحه عبر تحليل العلاقات بين التيمة والتقنية .
وبصفة عامة ، فإن التيمة الجمالية توجد دائما في فضاء خارج العمل الجمالي الذي يعالجها ، وهو فضاء أوسع انتشارا وأسبق في الوجود ، والعلاقة بين العمل والتيمة هي دائما ذات طبيعة كنائية ، فهو يستحضر مجمل فضاء التيمة ، أو ينفذ إليها عبر اظهار أجزاء أو جوانب من الترابطات التي تتكون منها التيمة ، أما التقنية الجمالية التي تعمل على تأسيس هذه الترابطات فهي دائما ذات طبيعة استعارية باعتبارها تعمل على إنشاء الترابط بين عناصر ، أو موتيفات ، أو وحدات منفصلة أصلا .
وكما ذكرنا فالتيمة في العرض تتمحور حول المسيرة – الظافرة – لعلاقة الفرد أو الذات بالمجتمع ، أو الآخر ، بدءا باللحظة التي يمثل فيها هذا الآخر تهديدا للذات ، وانتهاء باللحظة التي تسيطر فيها الذات على هذا الآخر ،  ولا ريب أننا سنلمح هنا حضورا للحلم الامبريالي لبرجوازية القرن التاسع عشر في السيطرة على العالم .
أما من الناحية التقنية ، فالعرض يتكون من سبعة مشاهد يضم كل منها لوحتين ، ويفصل بينها جميعا إظلام تام ، وهو ما يكاد يكون الدور الوحيد الذي  لعبته الإضاءة في هذا العرض ، إذا ما استثنينا الاستخدام المتكرر وغير المريح للفلاشر ، ولا توجد أي ديكورات ، أما وحدات الفعل المسرحي ( لا نستطيع هنا الحديث عن شخصيات ) فهي ثلاثة ، الأولى ممثل بانتوميم يرتدي ملابس سوداء ويغطي وجهه بمساحيق بيضاء ، وسيبدو أشبه بالمهرج الحكيم ( أحد أبطال العصر الاقطاعي ) ، والعرض سيبدأ به وقد حمل ماكيتا صغيرا كتب عليه " نموذج العالم " وبعد أن يتقدم ببطء إلى منتصف الخشبة العارية ، سيبدأ في أداء بعض الجمل الحركية ، بحيث سيبدو هذا الماكيت وكأنه جزء من جسده ، بل ومحور ارتكاز لثقل هذا الجسد ، وهكذا قعبر هذه الاستعارة التقنية البسيطة والسلسة سيقدم إلينا المهرج بوصفه متماهيا مع النموذج ، إنه الفكرة التي تطوف بقلق في الفراغ بحثا عمن يلتقطها .
أما وحدة الفعل الثانية ، فهي فتاة سيبدأ ظهورها وينتهي مع نهاية العرض ، وهي تؤدي حركة جري في مكان ثابت لا يتغير ، كاستعارة دالة على وجود الذات في العام المتسع عبر مجموعة من الأفعال المتكررة ، وهي ذات براءة متفائلة ومكتفية بنفسها ، وليس لديها مشكلة سوى اقتحام الآخرين لخصوصيتها .
وتتكون وحدة الفعل الثالثة – الآخر – من ثمانية أفراد يظهرون دائما في اللوحة الثانية من كل مشهد وقد ارتدوا ملابس مختلفة ، بحيث يبدون وكأنهم مجموعة ، أو حالة اجتماعية مغايرة .
وبتتابع سياق العرض في خط أحادي نقوده التحولات الاستعارية البسيطة التي تقوم على تأسيس ترابط بين إحدى وحدات الفعل الثلاث ، وبين موتيفة أو عنصر جمالي معين ، وذلك كخطوة أولى تتكرر ، وتتكرر ، إلى أن يتأكد العرض أننا قد لا حظناها جيدا فيقوم بخطوته الثانية – والأخيرة – والتي تتضمن إزاحة أو نقل الموتيفة أو العنصر الجمالي من وحدة الفعل إلى أخرى على نحو يحقق التماهي بين الوحدتين ( والتماهي بين طرفين هو بحكم التعريف لصالح أحدهما فقط ).
وهكذا سيتم تأسيس ترابط قوي بين المهرج الحكيم واللافتات الاشارية أو الارشادية التي يحملها باعتبارها مركز فعاليته ، ثم تنتقل هذه الفعالية في اللوحة الثانية من المشهد الخامس إلى الفتاة / الذات لتقاوم بها مجموعة المحاربين ، وهو ما يعني استيلاء الذات لنفسها على وظيفة الفكرة ، أي أن الفكرة تتماهي – أو تذوب – داخل الذات .
أما تماهي الآخر - الجماعة – مع الذات فيتم على ثلاثة مراحل ، باعتبار أنه الصراع الرئيسي للعرض ، فمنذ البداية تخضع لوحتا كل مشهد لتعارض أساسي ، فاللوحة الأولى – حيث المهرج – صامتة تماما ، بينما اللوحة الثانية – حيث الآخر / الجماعة – مصحوبة دائما بموسيقى صاخبة ذات إيقاعات واضحة تنظم الجماعة ، وهكذا يتأسس ترابط استعاري بين الايقاع والموسيقى التي تملأ الفراغ ، وبين الآخر ، وفي المشهد الخامس سيستولي المهرج / الفكرة على عنصر الايقاع ( بواسطة دبيب قدميه ) وهذه هي المرحلة الأولى .
أما المرحلة الثانية ، فهي استيلاء الفتاة / الذات في اللوحة الثانية من المشهد السادس على الموسيقى لصالحها ، بحيث سيبدو وكأنها هي من يعزفها ، بل وستستخدمها في ترويض جماعة " الآخر " .
والمرحلة الثالثة – والأخيرة – تسير في اتجاه معاكس ، لكنها تؤدي نفس الهدف ، فمنذ البداية تقدم الفتاة / الذات لنا في ترابط مع بعض الجمل الحركية والايمائية ، مثل الجري في المحل بثقة ، ابتسامة التفاؤل ، . ... الخ ، وفي المشهد السابع والأخير تقوم جماعة الآخر ، كل على حدة ، وبالتتالي ، بالتحول - على نحو يشي بالاستسلام – من الجمل الحركية الخاصة بها ، إلى تقليد حركة الذات / الفتاة ، وبذلك تكتمل عملية التماهي ، وتنتصر الذات ، وينتهي العرض .
ورغم بساطة التحولات الاستعارية التيتحققها التقنيات في هذا العرض ، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغفل عن محدوديتها ، وتجاهلها للثراء البالغ لتيمة علاقة الذات / الآخر ، واختزالها في خط أحادي .
ولتفسير ذلك سيتعين علينا أن نعود لفحص تداخل الفضائين اللذين طرحناهما فيالبداية ، وهنا نتساءل إلى أي مدى يستنفد العرض – أو يستفيد – من تقنيات المسرح الراقص في تعامله مع  تيمته التي تستوحي " رواية التكوين" ، والتفكير في إجابة هذا السؤال سيضعنا مباشرة أمام فقر الخيال الحركي للعرض ، فالموتيفات والجمل الحركية والايماءات المصاحبة ستتكرر دائما من وحدات الفعل ، دونما ابتكار مدهش ، بحيث أنه لواقتصر العرض على تلك العنانصر فقط لولد ميتا ، وهو ما يعني أنه لم يستفد بالفعل من تجارب سابقة استطاعت تفجير وإثراء تفكيرنا .
وبالتالي فإن اختزال التيمة ، وضعف عملية استحضار فضائها الكنائي ،يأتي كاستجابة – حاولت أن تكون مخلصة – لرهان ثقافة استعادة تراث "الحداثة الأولية " والذي يسعى إلى مواجهة – يائسة – لتعقيد العالم عبر اختزاله وتبسيطه في نماذج خطية متفائلة لم تعد تملك شرعية الوجود إلا كحلم بماض ما .


 عبد الناصر حنفي

حول ظاهرة المسرح المصري




قد يبدو ما سأقوله هنا غريبا إلى حد ما بالنسبة للبعض ، وهذا يجعلني أؤكد بداية أنني أبعد ما أكون عن القول بعدم وجود أزمة ، بل أزمات في ظاهرة المسرح  المصري  ، وبعض هذه الأزمات هيكلي أو بنيوي ، وبعضها الآخر مؤسسي ، أي يتعلق بأشكال العلاقات المؤسسية التي تنطوي داخلها معظم تبديات الظاهرة المسرحية ، كما أن بعض هذه الأزمات " وجودي " ، أي يتعلق بإمكانيات استمرار ونمط حضور هذه الظاهرة.

ولكن بالرغم من ذلك كله دعوني أقول أن المسرح ، من زاوية إنتاجه ، هو أضخم وعاء ثقافي مصري على وجه الإطلاق، ولنبدأ بحساب أرقام الإنتاج السنوية ، فلدينا حوالي 60 عرض ينتجهم المسرح  القاهري ، وهو رقم يشمل القطاع الخاص ، و مسرح الدولة بكافة أوعيته وقطاعاته ، ثم لدينا حوالي "350 "عرض  تنتجهم " الهيئة العامة لقصور الثقافة" عبر أوعيتها المختلفة ، فهناك فرق الأقاليم ( وكانت تنتج قرابة  الـ  130 عرض ، وقد انخفض هذا الرقم في العامين الأخيرين ولكن ليس كثيرا ) ، ونوادي المسرح ( وكانت تنتج أيضا قرابة الـ  200 عرض ) ، ثم الفرق التابعة للجمعيات الثقافية ، ومسرح الطفل .. الخ.. وهكذا يصبح لدينا أكثر من 400  عرض تنتجهم هذه الأوعية سنويا.

ثم لدينا الأوعية الأخرى، مثل فرق المسرح الجامعي ، وفرق مراكز الشباب، وفرق بعض النقابات العمالية، وفرق المسرح المدرسي ، وتجمع المسرح الحر ، وجمعية هواة المسرح ، بالإضافة إلى مجموعات الهواة الغير مرتبطة بأي وعاء مسرحي ، والذين عادة ما نفاجأ بهم في مهرجانات الهواة.  وبرغم عدم وجود إحصاءات دقيقة حول كم هذا الإنتاج ، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أنه يمثل رقما ضخما ، قد لا يقل إن لم يزد عن الرقم السابق.
و لكن لو صدقت تلك التقديرات (الأولية )  ، فهذا يعني أن لدينا رقم سنوي يتراوح بين الـ 800 عرض ، وال  1000 عرض ، يتم إنتاجهم عبر مجمل مساحة " مصر" ، وهذا الرقم يفوق كل ما ينشر في مجال الأدب والترجمة ، وكل ما يتم إنتاجه في مجال السينما والفيديو .

ومن جهة أخرى فهذا الرقم يشترك في إنتاجه سنويا عدد يقدر بعشرات الآلاف من المبدعين والمثقفين ، ونسبة كبيرة من هذا العدد يتم تجديدها سنويا ، بحيث يخرج البعض ويحل آخرون محلهم ، وهو ما يجعل ممارسي المسرح يمثلون واحدة من أكبر قبائل الثقافة المصرية ، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق.

ونأتي إلى مناقشة " الكيف " أو الجودة الفنية  لمجمل هذا الإنتاج ، وهنا لدي ملا حظتين ، فما قد يصرح به أحد النقاد أو الصحافيين  حول تأثره البالغ بارتفاع مستوى أحد عروض الهواة المغمورين  ليس بالأمر النادر الحدوث ، ففي كل عام تقدم نوادي المسرح عددا من العروض المبهرة  فنيا ، بل وسأضيف أن واحدة من أهم التجارب المسرحية التي شاهدتها طوال حياتي كانت للفنان الراحل " عبد الستار الخضري" ، وهو عرض " الفاشوش في بلاد المالوش " الذي قدمته فرقة السويس التابعة لفرق الأقاليم بهيئة قصور الثقافة ، وسأضيف أيضا أن أهم عرض شاهدته هذا العام كان لشاب من بني سويف لا يعرفه أحد ، وهو المخرج " محمد عبادي " والذي قدمه في مهرجان نوادي المسرح ، أما أهم عرض شاهدته العام الماضي فكان لمخرج قاهري ( أيضا لا يعرفه أحد ، بل ولا يكاد يجد مكانا لإجراء بروفاته ) ، وهو المخرج " محمود مختار " والذي قدم مع فرقته " العبث" عرضا بديعا مأخوذا عن رواية ماركيز " سرد أحداث موت معلن" ، وجدير بالذكر أن هذه الفرقة هي مجرد تجمع خارج أي وعاء مؤسسي ، فقط مجموعة من محبي ومبدعي المسرح .

ولا أريد أن أنقل المناقشة إلى التساؤل حول جودة ما يقدم في الأجناس الفنية الأخرى ( فكم فيلما ، أو كم رواية أو ديوان شعري ، يمكن أن نحتفظ بهم في ذاكرتنا بعد أشهر قليلة من صدورهم ) فلا يمكن وضع  تدني الجودة في تلك الأجناس في إطار واحد مع  ما يماثله في المسرح ، باعتبار أن ذلك مؤشر عام لتدني طموح وفاعلية الثقافة المصرية ، فالمسرح تحديدا يتميز عن هذه الأجناس بأنه نشاط مؤسسي بالمقام الأول ، فثمة مجموعة من البشر تجتمع لعدة أسابيع أو شهور لتتدرب على تجويد عزف متواصل أو أداء متواصل لمدة زمنية محددة( ساعة أو أكثر ) بحيث يبدو كل منهم وكأنه يقدم ما يخصه روحيا (وليس ما هو مجبر عليه) في تناغم كامل ودقيق مع ما يقوم به الأعضاء الآخرون بالفريق ، وهي نتيجة لا يمكن بلوغها إلا عبر التوصل إلى صيغة مؤسسية تنظم  العلاقة بينهم جميعا ، أي صيغة لتوزيع السلطة ، ولذلك فالمسرح ليس فقط الأكثر حساسية بين جميع الأشكال الجمالية لأي قيد على حرية التعبير ، ولكنه أيضا شديد الحساسية لدرجة النضج المؤسسي في المجتمع ، وليس من قبيل المبالغة القول أن المسرح يشترط لظهوره في أي مجتمع درجة من التطور المؤسسي في العلاقات الإنسانية ، وهو ما يجعل المسرح بصفة عامة أقل الأشكال الجمالية نزوعا نحو الراديكالية المفرطة .

وبالطبع فهذا يعني أن التطور المسرحي يأتي دائما متأخرا من الناحية الجمالية ، ولكنه فيما يفعل ذلك يقدم ما يتجاوز العطاء الجمالي ( ناهيك عن المقولة الفكرية  أو المعنى ، ذلك الوثن الأثير لدى العديد من التوجهات الثقافية والسياسية في مصر)، فهو عبر بحثه عن صيغته المؤسسية قد يتبنى أحيانا الأشكال المؤسسية المطروحة في المجتمع على نحو يدفعها إلى الظهور أمام بصيرة الوعي بطريقة لا يمكن إغفالها ، أي أنه يكشف طبيعة العلاقات المؤسسية  المسيطرة ، وعلى سبيل المثال فلا يمكننا عندما نشاهد عروض " عادل إمام " الأخيرة ،ونرصد ما يوجهه من صفعات لصغار الممثلين ،  إلا أن نفكر ولو على نحو غير واعي في سلطة السيد الإقطاعي، المسيطر على كامل الحضور الجسدي  للمنطوين تحت لوائه ، والذي يمتلك وحده شرعية انتهاك هذا الحضور في أي وقت يشاء ، وربما سيمر زمن طويل قبل أن أستطيع نسيان ذلك الالتذاذ السادي الذي فشل " الفنان فؤاد المهندس" في إخفائه أو السيطرة عليه وهو يضرب "سناء يونس" بالعصا على أردافها، والأكثر فظاعة أن تلك السادية كانت تتزايد كلما بدا أن سناء يونس تتألم على نحو يدفع بها إلى حافة الاهتياج العاجز عن التعبير عن نفسه ، والآن هل يمكننا تخيل ذلك البرجوازي الصغير ( أو حتى تلك البرجوازية الصغيرة ) وهو يرتدي ملابسه يوميا ويندفع لمحل عمله حيث يتلقى بعض الصفعات ( أو الضرب على الأرداف)، ويعاني من الشعور بالإذلال أمام الجميع ، ثم يعود في نهاية الليل بأجره الزهيد ، أجل إن المسرح ( واعيا أو غير واعي ) يمنحننا معاينة حقيقية وحاضرة   لهذا المشهد القاسي الذي ما أن نراه حتى نصبح شهودا عليه بوصفه حدثا معلنا وغير استثنائي، بحيث سيتعين علينا اختيار موقفنا إزاءه ، فإما أن نقره ، أو نرفضه ، وفي الحالتين لا نعود أبرياء ، وعبر هذه العملية سيكون المسرح بمجرد حضوره ، وبغض النظر عما يقدمه ، وعن جودته الفنية ، قد وضعنا في مواجهة مباشرة مع أنفسنا ، ومع نظامنا الاجتماعي، ونزع عنا براءة الجهل والغياب.

وفي أحيان أخرى ، قد يحاول المسرح طرح أو اقتراح صيغ مؤسسية أخرى لعلاقات السلطة على نحو يجعلنا نعاين أن ما نتقبله بوصفه نظام طبيعي  أو قدري للعلاقات بين البشر هو مجرد خيار يمكننا رفضه أو قبوله ، وحينها يصبح المسرح فعل مقاومة حقيقي.

سأكرر أن هذا العطاء هو عطاء "لا جمالي"  بالدرجة الأولى، إنه لا يتوقف على جودة نص الكاتب ، أو عبقرية المخرج ، أو إبداعية الممثلين ،أو أيا من التقنيات الفنية الأخرى ،  فهو ينبع فقط من كون المسرح أحد أشكال الاجتماع الإنساني ، وبالتالي فلا يمكنه - وهو يحقق نفسه - إلا أن يدخل في حوار مع كافة نظم وأشكال الاجتماع الإنساني ، وضمنها إن لم يكن على رأسها " الدولة" ذلك الشكل الارقى ( حتى الآن على الأقل) لتجمع البشر.

إن هدفي الأساسي هنا هو الدفاع عن الأطروحة القائلة أن المسرح ليس مجرد شكل جمالي فحسب ، بحيث تقيم ظاهرته طبقا لإنجازها الجمالي فقط ، وبقدر ما يمكننا تقبل هذا التحليل بقدر ما سنبتعد عن اعتبار الكم في  الظاهرة المسرحية مجرد غثاء يمكن تجاهله.

وهكذا ، يمكننا القول في النهاية أن ما ينقص طريقة تناول ظاهرة المسرح لدى قطاع كبير من المثقفين هو عدم الوعي بخريطة المسرح المصري ، وكذلك تطبيق المعايير الجمالية المجردة على تلك الظاهرة وذلك على نحو يتجاهل عطائها الاجتماعي اللاجمالي .

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ، فثمة مقاومة - أو فلنقل عدم تفهم - من المثقفين المصريين لمشروعية التطور الفني والجمالي لظاهرة المسرح ، وهناك أيضا ذلك الرفض الراديكالي " للتجريب" ( والذي ينبغي أن يظل في قائمة الانتظار حتى يزدهر المسرح العادي أولا) ، وهذا الرفض يستمد نبرته الراديكالية من تلفحه بمعارضة اتجاهات وزارة الثقافة ، وهو أمر محمود بالطبع ولا يمكن إلا أن يستأثر بتعاطفنا، وإن كان ينبغي أن نلاحظ أن هذا الرفض " يلقي بالطفل مع ماء الاستحمام " كما يقولون ، فالتجريب المسرحي ( ولدي اعتراضات جمة على هذا المصطلح ولكن ليس هذا مقام طرحها ) يصبح هو " المهرجان التجريبي" الحكومي الطابع ، والذي قد يعطينا الكثير من المبررات لرفض الطريقة التي ينظم بها ولمعارضة التوجهات التي يتبناها .. الخ ، إلا أن هذا الرفض وتلك المعارضة لا يمكن مدهما على استقامتهما ليطالا الأشكال " الحداثية " ( أو فلنقل  " المعاصرة" ) المغايرة للإبداع المسرحي ، ولنلاحظ هنا أن تلك الأشكال لا تقتصر على المسرح فقط ، بل تمتد لتشمل كافة الممارسات الجمالية، ولكن لأمر ما فإن هذه التغايرات يتم قبولها لدينا في أجناس الأدب ، بحيث تحظى بشرعية الوجود ( مهما كانت الاعتراضات والمناقشات حولها فيما بعد) فيما تسلب شرعيتها بالكامل عندما يتعلق الأمر بالمسرح ، بل ويتم إلصاقها على نحو تعسفي بالسياسة الحكومية . والأكثر غرابة في هذا الشأن أن تلك الاعتراضات تكاد تتطابق مع الاعتراضات اليمينية والمحافظة حول الحداثة بصفة عامة ، فهناك دائما اتهامات التغريب والتقليد والانعزال عن الناس وعدم القدرة على تطوير أشكال محددة وواضحة من المعاني وانعدام الفهم المتوازن لوظيفة الوسيط ودوره وإمكانياته الجمالية .. الخ ، وهي كلها اتهامات واجهتها قصيدتي التفعيلة والنثر والكتابة السردية الجديدة  من قصة ورواية ، بل و طالت أيضا مناهج النقد المعاصرة ، ولكن الجديد - والغريب أيضا - أنه عندما يتعلق الأمر بالمسرح فسنجد أن مطلقو هذه الاتهامات هم كوكبة لامعة من المثقفين والمبدعين التقدميين تضم أسماء من وزن " صنع الله إبراهيم" ، و" بهاء طاهر" وغيرهم .


عبد الناصر حنفي