للوهلة الأولى سيبدو عرض الافتتاح البولندي "
دونج" مفتقدا إلى الحيوية والإثارة الحسية أو الجمالية التي تجسر الفجوة بينه
وبين المشاهد لتجنبه الوقوع في حالة الملل ، كما سيبدو أن هناك قدرا ضئيلا من
التنوع في التقنيات المسرحية والتيمات المعالجة ، وإيقاع العرض بطيء في مجمله
وكأنه يتقلب في تمهل بالغ داخل إطار ضيق .
وبالطبع فهذه الملاحظات السابقة يمكن أن تؤخذ باعتبارها
عيوبا بنائية قاتلة للعرض ، وهدفنا هنا ليس نفي أو دحض هذه الانطباعات والآراء
التي تنطلق في هذا الاتجاه ، بل سنحاول تحليل الكيفية التي ينتج عبرها العرض هذه
الملاحظات بوصفها جزءا من تكوينه ، ومن رهانه ، وليس كانحراف أو خطأ لم يتم
الانتباه إليه ومعالجته، وهو ما يدعونا إلى بحث المنهج الجمالي الذي يتقصاه العرض
، وذلك بغرض تفهمه الترعف عليه ، أما مسألة قبوله أو رفضه فهو أمر لن نتعرض له هنا
.
1- اللعبة الجمالية للعرض والحداثة المتأخرة :
يشير مفهوم اللعبة الجمالية إلى طبيعة نظم حركة عناصر
العمل الجمالي ، وحدود الفضاء الذي لا تتجاوزه
هذه الحركة ، وذلك بغض النظر عن الأفكار أو المفاهيم التي يمكمن أن تحيل
إليها هذه العناصر .
وطبقا لهذا التعريف ، يمكننا تصنيف العرض بوصفه ينتمي
إلى مدار اللعبة الجمالية للحداثةالمأخرة ، (
) ، وهي مرحلة كانت بمثابة المنحنى النهائي والأخير لحركة الحداثة خلال
عقدي الستينات و السبعينات ، والرهان الأساسي الذي توجه نحوه هذه اللعبة يتمحور
حول تكثيف حضور وفعالية عناصر جمالية معينة عبر إحاطتها بفضاء خاو يخلقه غياب
العناصر الأخرى ، وهكذا سيتخلص العمل من أي عناصر يمكن استبعادها أو حذفها بحيث
تنحصر حركته في أضيق دائرة ممكنة على نحو يتيح الإصغاء لكل ما يمكن أ، تهمس به
محتويات هذه الدائرة .
وانطلاقا من هذا الاطار النظري يمكننا إعادة قراءة
الكثير من علاقات العرض ، مثل هيمنة التكرار على البنية الداخلية للمشاهد ، بحيث
سينقسم كل منها إلى عدد قليل من الأفعال والجمل الحركية والايماءات التي تعاد كما
هي تماما ، أو مع بعض التعديلات البسيطة .
وكذلك انحصار ساحة التمثيل فيما يشبه صندوق قليل العمق
يبرز في الثلث الأخير الأوسط من خشبة المسرح ، ورتابة الإضاءة التي لم تتغير
تقريبا طوال زمن العرض ، وظهور الموسيقى في معظم الأحيان بوصفها خلفية صوتية
مصاحبة تشكل إطارا خارجيا للفعل المسرحي دون أن تساهم فيه ، أما السينوغرافيا ،
فبرغم تعدد اللوحات التي ستعبر صندوق التمثيل من جهة لأخرى ، فإننا سنكون دائما إزاء
نفس الكتل اللونية الخاضعة لهيمنة درجة كابية من الأزرق الفاتح الذي قد ينحدر
بنعومة لا ينبغي إغفالها إلى تخوم الأبيض والرمادي ، كما قد تخترقه خطوط مفلطحة
تتراوح بين الأخضر والأسود إلا أنها دائما ذات درجات كابية أو مطفأة .
أما وحدات الديكور وقطع الإكسسوار القليلة والبسيطة أيضا
، فما أن تظهر فوق الخشبة حتى يتم سحبها إلى الكواليس ، وهذا العبور الخاطف
والمستمر سيضم أيضا الممثلين الأربعة الذين تمحورت حركتهم الأساسية في الاجتياز
المتوالي لخشبة المسرح ، أو في العبور من كالوس لآخر ، أما فترات توقفهم أمامنا
فيسيطر عليها أداء يتقصى مبدأ الحد الأدني من الانفعال والجهد ، والذي لا يشي بأي
درجة من التحفز أو التوتر ، وكأننا أمام استعراض هادئ لظهور طاقة الممثل التي لا
تندفع تجاه نقطة محددة ، طاقة لا تهتم سوى بتحريك كائنات لم تعد ترغب في شيء ، ولم
تعد ترفض أي شيء ، ولكنه لا زالت ( بواسطة ذلك كالاسترخاء الإنساني للجسد فوق
الخشبة ، بعيدة تماما عن أن تكون مجرد آلالات متحركة .
إن هذه التقنيات مهما تعددت أشكال ظهورها وتعقدت
علاقاتها الداخلية ، تظل غير قادرة على اجتذاب تعاطفنا، فهي لا تنتج سوى أشكال
تصدمنا دائما بلا مبالاتها الصلفة ، ورفضها المحبط لمحاولاتنا في الاندماج مع
الفعل المسرحي أو حتى في تلقيه بحميمية ، هذا الإحباط المستمر سيؤدي بنا إلى
الشعور بالسأم والملل ، وربما بالقلق والتوتر إزاء هذه السطوح الملساء الصامتة ،
إلا أن رهان العرض القادم من الحداثة المتأخرة ، هو أن ثمة تحولا ممكنا لعملية
التلقي من الملل إلى التأمل الهادئ الذي سيقودنا من السطح الساكن إلى العمق الذي
تعتمل فيه علاقات العرض التكوينية حيث تبدأ خصائصه الجمالية المرهفة في لفت
إنتباهنا إلى ما يهمس به العرض داخل الأطر الضيقة التي اختارها لنفسه .
2- تيمة العرض :
الصورة المتحركة في فضاء ما بعد الحداثة : ــ
في العام الماضي شاهدنا العرض الهولندي " الجوهر
" والذي كان ينتمي إلى مرحلة الحداثة المتأخرة في تقنيته وتيمته التي تمحورت
حول استعراض حدود تحولات المصير الانساني في تتابع بسيط يكاد يتقصى دورة الحياة
والموت ، وربما لم يفلت عرض " دونج" من ذلك الاهتمام الوسواسي ، اليائس
، بقضية مصير الإنسان ، والتي طرحتها الحداثة المتأخرة في كل المجالات المعرفية
بتوسع وقلق غير مسبوقين ، إلا أن العرض يستحضر هذه القضية عبر تيمة مختلفة ، وهي
الصورة المتحركة ، أو بمعنى أدق الصورة المزاحة ، وهي تيمة خلقت ما بعد الحداثة
الاهتمام بها ، بل وحاولت وضعها كعنوان أو مدخل لمعالجة الواقع المعاصر برمته تحت
اسم " عصر الصورة " .
وهذا التداخل المعقد الذي ينطوي عليه العرض بين تقنياته
وتيمته يجعله يبدو وكأنه صدى لصوت الحداثة المتأخرة الذي يدلي بتشاؤمه أو مخاوفه
إزاء هيمنة الصورة محاولا اقتحام الفضاء الخاص لما بعد الحداثة حيث تستقبل هذه
الصورة دائما بحالة من البهجة والتفاؤل غير المحدودتين .
ويتعامل العرض مع الصورة على مستويين ، أولهما الصورة
بوصفها إطارا تم داخله التقاط – أو سجن – الفعل الإنساني ليصبح قابلا للتكرار
الرتيب ، وقابلا للإزاحة البسيطة المستمرة التي ستظل تؤرجحه بين الظهور والاختفاء
، أو بين الحضور والغياب دون مبرر يمكن الإمساك به ، وهو ما ينقلنا إلى المستوى
الثاني حيث الصورة قد أصبحت محددا للفعل الإنساني لا مجرد إطار له .
ويكاد العرض أن يقتصر على ذلك الانتقال البسيط ، وغير
المحسوس تقريبا من المستوى الأول إلى الثاني ، فالأجزاء الأولى منن العرض تكاد
تتلخص في وجود راو أو معلق عند مقدمة صندوق
التمثيل ، وفيما سيدلي بتعليقاته القليلة ستظل الصور تتوالى من خلفه ، صورا
مرسومة على ستائر تتحرك بعرض الخشبة ، أو صور إيمائية يستعرضها أمامنا الممثلون
خلال عبورهم جيئة وذهابا ، وسيتطور
التتابع ببطء بحيث يعبر الممثلون الخشبة وهم يمسكون بماكيتات مرسوم عليها أشكال
مماثلة لما نراه في لوحات الخلفية ، ثم ستعبر الخشبة – بتلكؤ – لوحة تمثل الجزء
العلوي برجال ذوي سترات سوداء وقبعات سوداء ( مثل الممثلين أنفسهم ) وفي المنتصف
ستتمهل اللوحة ليهرع بعض الممثلين للوقوف خلفها وكأنهم يكملون – بسيقانهم وأقدامهم
– الجزء السفلي الذي أهملته اللوحة ، وفيما بعد سيتوالى عبورهم وقد إلتصقت
الماكيتات بأسفل أقدامهم ، وهكذا يذوب الإنسان في الصورة .
أما المشهد قبل النهائي ( والذي يمكن النظر إليه بوصفه
ذروة يعود منحنى العرض بعدها للهبوط الختامي في اتجاه استعادة وتكرار المشهد
الافتتاحي ) فيشير إلى الفعل الإنساني وقد صادرته الصورة لصالحها ، في هذا المشهد
الاستثنائي في العديد من مكوناته سينضم ثلاثة ممثلين فوق المقاعد وكأنهم كتلة
واحدة تتحرك وتميل معا ، وقد وضعوا أمامهم " ماكيت " لعين كبيرة اختفوا
جميعا خلفها بحيث لا تظهر سوى رؤوسهم ، ومن الطرف الأيمن سيميل أحدهم ليغترف الماء
من دلو بجواره ثم يصبه في ماسورة – أو مزراب – تبدأ من أعلى ماكيت العين ثم تمر
بأسفله لتصب في صحن كبير موضوع بجوار أقدام الممثل الجالس في الطرف الأيسر ، وبعد
قليل سيتبدل وضع الدلو والصحن ، ولكن الفعل العبثي الذي يتم عبر العين و بامتدادها
سيظل كما هو ، وبنفس تتابعه وتكراره ن وهذا المجاز الجميل للتعبير عن الصورة
المزاحة التي تتحرك في إزاحة مستمرة وعبثية سيتأكد بالنحيب الإنساني الموجع الصادر
عن الممثل الرابع – المنفرد – والذي سيقطع الخشبة جيئة وذهابا محاولا البحث عن
وسيلة لانضمامه إلى هذا الفعل العبثي ، فلا يجد سوى أن يحاول صيانته وحمايته عبر
إيماءات تفيض بالحنين .
وبعد أن يتم العرض مشاهده ، سيصطف الممثلون الأربعة ،
وسيرفع كل منهم ناقوسا صغيرا ، ويدق دقات خافتة ، قبل أن ينسحبوا جميعا من الخشبة
التي ستخلو للوحة الخلفية وصورتها بما تحتويه من مناظر طبيعية .
وفي النهاية ربما كانت تلك الدقات التي يطلقها العرض
مجرد صدى لرنين كان هادرا وعاصفا فيما مضى ، وربما جاءت في غير زمانها المناسب ،
أو في غير مكانها المناسب ، ولكن هذا لا يعني أنها لا تستحق أن تسمع .
عبد الناصر حنفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق