الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

المسرح ونهاية الحداثة : من التجريب إلى المهام المعلقة لحركة الحداثة في المسرح



  مع بداية فعاليات " مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي " نجد  أنفسنا نستعيد – المرة تلو الأخرى – تلك النقاشات التي شهدتها الدورات السابقة حول مصطلح " التجريب " ومفاهيمه، وحدوده، وطرائقه، وأنواعه ... إلخ . وبالطبع فقد لعبت هذه النقاشات دورا شديد التأثير في انفتاح خطابنا المسرحي على متغيرات الحركة المسرحية في العالم، إلا أنها أخذت تفقد الكثير من حيويتها ورهافتها النظرية مع توالي دورات المهرجان ، بحيث سيبدو مصطلح " التجريب " وكأنه قد جرد بشكل ما من طاقته على إثارة الحوار وتحفيزه وتأطيره في حدود تجعل نتائجه مثمرة.
واذا ما حاولنا رصد المقدمات التي أفضت بنا إلى هذه النتيجة فسنجد أنها يمكن  أن تتلخص فيما يلي :

1-   كانت القاعدة النظرية الأساسية التي انطلقت منها هذه النقاشات هو أن ثمة فارق هام – بل وجوهري – بين التجربة الفنية ( فلا يوجد عمل فني لا ينطوي على تجربة ما ) وبين التجريب الفني ، وذلك باعتبار أن هذا المفهوم الأخير ينطبق فقط الأعمال الفنية التي لا يجمع بينها سوى أنها تنطوي على تجارب  غير مسبوقة ، أي تجارب جديدة لا تمثل تكرارا لما سبقها ، ولذلك فهي تعلو عن أن تكون مجرد تجربة فنية لتصبح تجربة – أو تجريبا – في الفن ذاته .
2-   ومع اتساع النقاش  وتعدد الآراء والتحليلات والمنطلقات ، بدأت هذه القاعدة النظرية تتحول تحولا غير معلن ليصبح أساسها التطبيقي في تمييز " الغير مسبوق " معتمدا – إلى حد كبير – على مفهوم " الاختلاف الفني " والذي يشير إلى اختلاف أي تجربة فنية عما سواها أو عما سبقها ، بحيث أننا سنعثر دائما على شىء من الجدة و التفرد غير المسبوق في طوايا أي تجربة فنية أو أي عمل فني بحكم التعريف .
3-   وهكذا ، فعبر هذا الاقتران النظري غير المعلن – بين مفهوم " التجريب " ومفهوم الاختلاف الفني ، أصبح من الممكن تناول أي عمل مسرحي من زاوية أو أخرى بوصفه تجريبا ، وهو ما أدى إلى النتيجة التي ذكرناها .

وهذا التحليل لا يعني وقوع خطأ منهجي في إدارة النقاش ( بحيث يمكن أصلاحه والعودة إلى تفعيل الحوار بنفس أطره السابقة ) بقدر ما يعني استنفاد مصطلح " التجريب " لإمكانياته النظرية ، بحيث أصبح يفتقد القدرة على تأمين استمرار النقاش الذي أثاره .
ولدينا خيارين  - على الأقل – إزاء هذا الوضع ، الأول هو أن نتجاهله ، باعتبار أننا قد تخطينا مرحلة الحاجة إلى النقاش النظري ، على نحو يسمح لنا بالتفاعل المباشر مع التجارب التي تقدمها عروض المهرجان ، والثاني هو أن نسعى لطرح مفهوم نظري آخر يساهم في إعادة تحفيز الحوار مرة أخرى ، وسنحاول هنا أن نسهم ولو بقليل في أداء هذه المهمة .
     


         *****************************


وإذا ما كان لنا أن نبدأ في السعي لصياغة هذا الإطار النظري الجديد فإن علينا مراعاة بعض الشروط الهامة ، مثل أن يكون إطارا يسمح بإعادة استثمار مجريات ونتائج النقاشات السابقة حول مفهوم " التجريب " ، كما يسمح بوضع النقاشات المقبلة في خضم التفاعل مع سياقات الواقع المعرفية، والثقافية، والجمالية، والمسرحية.
وانطلاقا من هذه الشروط فربما لن نجد في أجندة الفكر المعاصر إطارا نظريا يوفي بها مثل إطار الحداثة. والإشكالية الأساسية التي تواجه معظم معالجات تكمن في التقاط المدخل النظري المناسب ، فقد تعددت هذه المداخل على نحو مثير منذ منتصف الخمسينيات وحتى الآن .
وأفضل مدخل يمكننا اختياره بحيث يساعدنا على أداء مهمتنا بفعالية ، هو مدخل " نهاية الحداثة" والذي تنهض بتأسيسه مجموعة الدراسات الأكثر أهمية في أدبيات " ما بعد الحداثة " .
وطبقا لهذا المدخل فإن " الحداثة " ظاهرة تتحرك دوما في اتجاه أداء مهام محددة، وأنها تنتهي- أو تموت – عقب إنجازها لهذه المهام، وبالطبع فهذا النمط من الحركة الموجهة قد تختلف سرعة سريانه من مجال لآخر تبعا لاختلاف المشكلات التي ستعين عليه مواجهتها وتجاوزها . وفي مجال الممارسات الجمالية يمكننا حصر مهام الحداثة في عدة مراحل تتابعية، كما يلي :
 1 – إعادة توزيع الممارسات الجمالية، أو إعادة تصنيفها في أنواع محددة، وهو ما يعني استحداث أنواع جمالية جديدة ، أو إعادة تأسيس أنواع جمالية قديمة .
2- استحداث تقنيات جمالية جديدة، واستحداث فضاءات معرفية جديدة لحركة هذه التقنيات.
3- الإبتكار والإختبار المستمرين لأشكال جديدة من الترابط بين التقنيات الجمالية والفضاءات المعرفية وهو ما ينتج عنه ظهور الاستراتيجيات الجمالية الجديدة، وظهور النزعات والاتجاهات والمدارس الجمالية المختلفة، وعند هذه المرحلة تحديدا تظهر الحداثية بوصفها سعيا محموما وعنيفا لاستبدال استراتيجية جمالية بأخرى.
4 – وفي النهاية تتباطأ حركة الاستحداث (للتقنيات والفضاءات ) كما تتباطأ حركة ابتكار واختبار واستبدال الاستراتيجيات الجمالية، وهو ما يفضي إلى"تبلور"النوع الجمالي على مستويين متقابلين، ومتزامنين، فأولا ستبدو التقنيات المفردة للنوع وكأنها محملة دائما بترابطات أو تضمينات معرفية معينة، وذلك بغض النظر عن تغاير مجال أو سياق ظهور التقنية من عمل فني لآخر أو حتى من نوع لآخر، بحيث يمكننا هنا الحديث عن استقلال التقنية بفعل – أو بأثر – جمالي خاص بها. أما على المستوى الثاني فسيبدو وكأنه قد تم استنفاد طائفة الاستراتيجيات الجمالية التي ترسم خرائط انتشار النوع الجمالي بما يضمه من مذاهب واتجاهات ونزعات....الخ، بحيث يصبح من النادر أكثر فأكثر أن يتم طرح استراتيجية جمالية جديدة تعيد تشكيل حدود فعالية النوع الجمالي.
وهكذا فمع هذه المرحلة الأخيرة ( استقلال التقنيات واستنفاد الاستراتيجيات ) يكون النوع قد تجاوز ظاهرة الحداثة ، يصبح النوع مكتملا، أي منتهيا، وكذلك تصبح الحداثة – عبر مسار مجمل الممارسات الجمالية – مكتملة ومنتهية، أو ميتة، وهذه النتيجة لا تعني قطعا موت الفن نفسه – كما تنبأ هيجل – ولكنها بداية عصر جمالي جديد يتخذ من التقنية موضوعا له، فيدمرها، أو يفككها، أو يجعلها تحل محل الاستراتيجية وتقوم بعملها، أو يحثها على الاشتغال والتوزع داخل سلاسل لا تستمد نظامها من نظرية الأنواع، ولا من استراتيجية محددة، ذلك هو عصر " مابعد الحداثة " الذي يكاد يبدأ.



       **************************************

وبالنظر إلى مجال  "العرض المسرحي" بوصفه أحد الفنون الأدائية سنجد أنه قد قطع معظم المراحل التي تنطوي عليها " مهام الحداثة " وأنه ربما يكون قد بدأ في تخطي عتبة المرحلة الرابعة ( والتي تبدأ بتباطؤ استحداث التقنيات والفضاءات، وتنتهي باستقلال التقنيات واستنفاد الاستراتيجيات ) ولكنه بالتأكيد لم يعبرها بعد، وبوسعنا القول أنه سيتلكأ طويلا في إجتياز هذه المرحلة، وبالتالي فسيتلكأ أيضا في الخروج من نطاق الحداثة، وهو ما يعود – في اعتقادي – إلى خصوصية الممارسة الجمالية لفن العرض المسرحي.
ويمكننا تحديد هذه الخصوصية داخل إطار تعارض أساسي، طرفه الأول هو الانحصار المكاني والزمانين بينما طرفه الثاني هو حالة الانفتاح أو الانتشار الجمالي والتي يتمتع بها المسرح على نحو استثنائي مقابل الفنون الأخرى.
وبالنسبة للطرف الأول أو الخاصية  الأولى ، سنجد أن العرض المسرحي يقوم على فعالية جمالية لا يمكن إنتاجها أو تلقيها إلا في فضاء ثلاثي الأبعاد ( بحيث أن إختزاله إلى بعدين سيضعنا أمام مجال فني مختلف حتى لو استخدمت فيه تقنيات تعود للمسرح، مجال مثل الفيديو أو السينما ) ، وهذه الخاصية يتقاسمها السرح مع فنون أخرى مثل النحت والعمارة، إلا أنه مقابل الكتلة الثابتة أو الساكنة في هذين الفنين ، فإن المسرح يعج بحركة الكتل ولأحداث، ومن جهة أخرى فالعرض المسرحي يكاد يكون محصورا في انتشاره وظهوره داخل إطار زمني ضيق للغاية، أي في لحظة حدوثه الفعلية الغير قابلة للتكرار المتطابق من حيث المبدأ، إذ لا توجد ليلة عرض لعمل مسرحي ما تتطابق  تماما مع ليلة عرض لنفس العمل ، مهما كان الفاصل الزمني بينهما ضئيلا.
وعلى الطرف الآخر من هذه الثنائية المتعارضة سنجد أن فن المسرح ينطوي في بنيته الأساسية على حالة من الانفتاح المرن مما يسمح له أن يستقبل داخل نسيج علاقاته العديد من التقنيات الجمالية التي تنتمي لمختلف الفنون، وهو ما يجعله أكثر الفنون قابلية للتأثر بالمتغيرات الجمالية التي تظهر في أي مجال آخر.
إن خاصية الانحصار الموضعي في المكان قد جعلت المسرح يتأبى على الدخول فيما يطلق عليه " فالتر بنيامين " عملية الاستنساخ الآلي للعمل الفني ( والتي تعد إحدى الركائز الأساسية في تعجيل أو تسريع حركة الحداثة في مختلف المجالات الأخرى ) والتي تؤدي إلى أن يصبح كل عمل فني مفرد متمتعا بمجال تلق شديد الاتساع، وبالتالي يصبح خطوة ملموسة في استنفاد الاستراتيجية الجمالية التي ينطلق منها، وفي إكساب التقنية  تضمينات أو ترابطات تساهم في تقدمها داخل مسار استقلالها الخاص، وهذا يعني أن تأثير هذه الاعمال المسرحية سينطوي دائما على حالة من التستت نتيجة لخاصية الانحصار الموضعي في الزمان، أو ----- بعبارة أخرى -  لعدم تطابق حالات ظهور وتلقي هذه الاعمال.
وهذه الحركة البطيئة والمشتتة تتعزز أكثر بالاحتياج الدائم للفن المسرحي إلى إعادة ترتيب علاقاته البنائية الداخلية كلما استقبل تقنيات أو تيارات حالية وافدة من خارجه ( وعلى سبيل المثال فإن الطريقة التي تم عبرها استقبال تيارات " مابعد الحداثة" في المسرح تنطوي على مفارقة مثيرة للدهشة، لأنها – عكس ما يعتقد الكثيرون – ساهمت في المزيد من تلكؤ حركة الحداثة في المسرح.
وهكذا فطبقا للتحليلات السابقة تظل مهام الحداثة معلقة وغير منجزة في مجال المسرح ، وهو أمر يعود إلى خصوصية الممارسة الجمالية لهذا الفن، ولذلك تظل طبيعة التطورات الجمالية التي يمكن توقعها لحركة المسرح مشوبة بقدر كبير من الغموض ما دامت هذه الحركة البطيئة والمشتتة تأتي كتأثير لا يمكن تجنبه للخصائص الأساسية لفن العرض المسرحي.
ولكن إذا ما تركنا المستقبل جانبا فإن هذه التحليلات تمكننا – مبدئيا على الأقل – من الشروع في تأسيس إطار نظري فعال نستعيد عبره حيوية النقاش حول حركة المسرح المعاصر، وهو نقاش ينتظره – بالطبع – الكثير من المشكلات المنهجية التي سيتعين عليه تجاوزها قبل أن يصبح مثمرا.

عبد الناصر حنفي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق