الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

بثينة... سيدة مسرح الهواة


                                    

خلال أغسطس الماضي كنا على أكثر من موعد مع الحاجة "بثينة عبد الحميد" وهي مواعيد حولت حضور الحاجة "بثينة" من مجال "الحكاية" إلى مجال "الظاهرة" التي ينبغي  أن نتوقف عندها طويلا.
ولنبدأ بالحكاية، فمنذ فترة يتردد أن ثمة امرأة، فلاحة، عجوز، تقيم في الفيوم، وتنتج مسرحا في صالة شقتها القديمة، وتقدم عروضا تقوم بإخراجها وتمثيلها مع أفراد أسرتها، وسنها يتراوح ما بين السبعين والثمانين عاما، ولكنه عادة ما يستقر بينهما في معظم الروايات، تلك حكاية "بثينة" التي ظللنا نتناقلها ونستخدمها أحيانا كترياق أو درع ضد واقع معادي بل وكاره للممارسة المسرحية وللنشاط الفني والثقافي بصفة عامة، فهاهي بذرة مسرحية تنبت في مكان قفر بصورة تكاد تكون مطلقة، وتنمو بالرغم من أن كل حساباتنا الواقعية والمتسقة تقول أنها لابد أن تختفي وتنمحي في نفس لحظة ولادتها ، وهنا تصل الحكاية إلى حركتها الختامية وتتركنا للتأمل في أن ثمة طريق ما لمقاومة اليأس المسرحي، واللاجدوى التي يرسخها الواقع تجاه كل ماهو فني أو ثقافي، ثمة طريق تم اكتشافه، وثمة أمل ما في انتظارنا لتجربته، ثمة أفق ما ينفتح من تلقاء ذاته ويطالبنا بإعادة شحذ طاقتنا مرة أخرى.

ثم تأتي المواعيد، وأولها كان في مهرجان نوادي المسرح بالفيوم، حيث كرمت "بثينة"   في المكان اللائق بها ، بين أهل مدينتها ، ووسط أكبر تجمع مصري – على الإطلاق – لهواة المسرح، وهنا تظهر"بثينة"بالتجاعيد التي تغزو أطراف وجهها وبحركتها البطيئة والثقيلة، ولكن أيضا بابتسامتها المشرقة والمرحة، والتي تفيض حبا للحياة والبشر، إبتسامة عجوز باتت تعلم أن الزمن لم يعد قادرا على قهرها، وأنها تستطيع ممارسة حياتها بالطريقة التي ترغبها حتى اللحظة الأخيرة.

هذا الحضور رسم أفقا مختلفا تماما أمام عيون شباب النوادي، حيث تستطيع الممارسة الهاوية أن تحافظ على وجودها للنهاية، وأن تقاوم في سبيل البقاء والاستمرار فحسب ، لتقدم في النهاية نمطا من الوجود العاري من كل الطموحات والرهانات التي يعتبرها معظم هؤلاء الشباب شرطا جوهريا أو أساسيا للبقاء والاستمرار، فهنا لم تعد الممارسة المسرحية وسيلة للترقي في الواقع، أو للإندفاع الهادر تجاه الحياة، ولم تعد سلما إما أن تصعد درجاته واحدة تلو الأخرى، أو تسقط وتتلاشى، وبالطبع فقد يبدو هذا الطرح مقلقا ومزعجا، بل وشديد القسوة أيضا بالنسبة لهؤلاء الشباب المفعمين بالآمال الفوارة تجاه العالم ، ولكنه أيضا طرح محرر إلى حد ما، فنحن جميعا شاهدنا-ولاداعي لذكر الأسماء – العديد من المواهب التي احترقت سريعا لأنها إعتمدت أكثر مما ينبغي على تعاطف أو توافق شروط كان بالإمكان الاستغناء عنها.

وكان السبت الأخير من أغسطس بمثابة موعدا آخر لتلك الظاهرة، حيث شهدت نقابة الصحفيين عرض الفيلم التسجيلي "بثينة" للمخرج "جمال قاسم"، وقد طرح الفيلم نفسه بوصفه حالة من الإنصات الذكي و المراقبة البعيدة عن التحذلق، تاركا "بثينة"وأسرتها يستولون على صدارة المشهد وهم يمارسون حياتهم اليومية البسيطة ، ويعدون لمسرحيتهم في نفس الوقت، وهذا التداخل المنعش بين الممارسة اليومية والفنية حاول الفيلم تعزيزه – بنجاح بالغ- عبر استعراضه للقطات سريعة تضع التجربة في سياقها الحياتي داخل أحد الأحياء الفقيرة بالفيوم.

وهنا تطرح الظاهرة نفسها على مثقفي النخبة القاهرية الذين اكتظت بهم حفلة عرض الفيلم، هذه النخبة التي باتت مهمومة- على نحو لم يعد من الممكن تجاهله- بمسألة استمرارية أو حتى بقاء الحركة الثقافية والفنية مع افتقاد الشروط اللازمة لذلك، فيما تطرح تياراتها الأكثر راديكالية العديد من الأسئلة حول علاقة الفن بالواقع وكيفية نفي المسافة الفاصلة بينهما ليندمج كل منهما في الآخر، هذا بالإضافة إلى حواراتها وصراعاتها المحبطة حول – ومع- "المؤسسة" والتي لا تتخيلها إلا بوصفها ذلك الكيان "المتعالي" والمهيمن على كل الممارسات الثقافية والفنية.

وعبر كل هذه المناحي كان لدى فيلم "بثينة"ما تقوله:
فالمؤسسة أو الدولة لم تعد هنا شرطا لممارسة الفن ، والامكانيات المادية، بل والفنية ، يمكن أن تصبح شرطا زائدا ، وإختفاء أفكارنا الكبرى المعقدة- والمتحذلقة أحيانا- لن يؤدي إلى إختفاء الفن الذي بات واضحا أن بإمكانه أن يصير جزءا من حياة البشر العاديين، لقد وجه فيلم "بثينة"  لطمة شديدة إلى أفكارنا النخبوية حول الفن، ولكن ذلك موضوع آخر.نأ،أ

       عبد الناصر حنفي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق