الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

"أنطوريو وكيلوبطة" ومسألة العمق في ما بعد الحداثة





منذ سنوات – قليلة للغاية – تخوض الثقافة المصرية غمار ما يمكننا تسميته بــ " مراسم حفل استقبال ما بعد الحداثة " . وهو حفل بدأ بالسياقات النظرية ، ثم امتد ليشمل كافة المجالات الإبداعية وصولا إلى المسرح ، بحيث أصبح من الصعب مناقشة بعض العروض دون الإتكاء على المداخل المنهجية التي أفرزتها ما بعد الحداثة .
وربما سنجد أنفسنا إزاء موقف كهذا عند تناول عرض " أنطوريو وكيلوبطة " الذي قدم بمركز الهناجر ( إبداع جماعي  - إخراج خالد الصاوي) ، فبرغم الإطار العام التقليدي للعرض والمتمحور حول فرقة صغيرة من المهرجين تحاول تمثيل الحكاية – الأكثر تقليدية – المعروفة عن كليوباترا ، إلا أن ذلك يتم في إطار كاريكاتوري أقل اعتيادية ، فمنذ البداية نحن أمام إلغاء كامل لإنسانية الوجه ولملامحه الخاصة خلف قناع المساحيق الثقيلة ، وفيما سيتراوح الصوت بين النبرة الطفولية الممطوطة والحشرجة الزاعقة ، سيجري نزع ألفة الجسد بالمكان عبر الحركة التي ستبعثر أطرافه إلى الخارج في فوضى أو تقلصها حول الجذع وكأننا بمواجهة حالة من المد والجزر لقوة ما لا علاقة لها بمجريات الحكاية .
أما الممثلون فهم لا يعون أنفسهم بوصفهم مؤدين تفصلهم مسافة ما عما يقدمونه ، ولا بوصفهم مجال لظهور الشخصيات المسرحية على النحو الكلاسيكي ، بل يعون فقط أن ثمة ما يجري أداؤه ، وهذا الأداء لا يستحضر أي معنى كبير لتنظيم مساره ، ولا يومئ إلى أي عمق خفي وراء الأحداث ، بل إن الصراعات القاسية المفترضة بين الشخصيات سيجرى إبرازها على طريقة أفلام كارتون " والت ديزني" بحيث يتم تذويب الإنفعالات القوية والدوافع الحادة وتشذيب حوافها المسننة على نحو تكتسب معه الحوادث التاريخية الدامية نعومة ألعاب الأطفال بمفارقاتها الطريفة .
وعبر ذلك فإن الصراعات التي ستكتسي مظهرا أكثر جدية هي صراعات وخلافات هؤلاء المؤدون أنفسهم بوصفهم يمارسون عملهم الخاص ، لا بوصفهم يخلقون معنى ما ، وانطلاقا من هذا سنرى فوق الخشبة مشاحنات حارة حول توزيع الأدوار ، كما سنرى ممثل يسب ممثلة – بامتعاض مكتوم بقدر ما هو حقيقي – لأنها تركته وخرجت قبل اكتمال المشهد ، ومن حين لأخر سيظهر ملقن الفرقة ليصحح – أو يفسد – توزيع جمل الحوار ، وفي واحد من أكثر المشاهد الغرامية تحليقا ( كما هو مفترض ) سيتوقف الممثل ويعطينا ظهره ليتبول فوق الخشبة ثم يعود لمواصلة دوره مع الممثلة التي ستوالي التراجع إلى الخلف وهي تمسك بأنفها حتى لا تتسلل إليه الرائحة الكريهة ولكن دون أن تنسى ترديد جملها الحوارية الغرامية .
وفي جميع الأحوال ، فمن غير المسموح لهذه الصراعات ذات الطابع المهني أن توقف مسار العمل .
وعبر هذه النزعة الأدائية الواضحة والتي لا تسعى لتأكيد أي معنى لما يتم تقديمه ، فإن العرض يتبنى استراتيجية ما بعد حداثية أخرى أكثر أهمية تتمثل في انفتاحه على حالة من التداعيات المستمرة التي تفتت مكونات المشهد لتربط كل منها بما يشابهها داخل ما يمكننا تسميته بــ الذاكرة العامة  ،  بحيث يتحول كل مشهد إلى إطار يضم مجموعة من الكثافات التي لا يتمتع أي منها بإضطراد بارز ، كما لا يربط بينها أي إتساق واضح ، وكأنها قد صفت متجاورة دون قصد معين .
هذه التداعيات ستبدأ من المستوى اللفظي عبر تحريف الأسماء لجعلها أكثر ألفة ( قيصر – كايزر، كيلوباترا – كيلوبطة، بومبي – بومبة ، انطونيو – أنطوريو ) ، ودس جمل كثيرة من لغات أجنبية مختلفة ، وصولا إلى مستوى ملء الفجوات ( أو صنعها) داخل حوار المشهد [ مثلا : يعزز أوكتافيو قراره بتزويج أخته من أنطوريو بأنه راجل مهم " مش جزمجي " ، بينما سترد هي بأن ما يحاول أوكتافيو فعله هو مجرد استمرار لمؤمراته التي سلبتها ورث أمها وصيغتها ونص البيت "  ] .
وهكذا فإن هذه الإضافات التي تأتي لتقريب الحدث عن طريق الزج بتفصيلات قد تبدو أكثر ألفة  لا تفضي في النهاية إلا إلى الكشف عن المسافة الهائلة التي تفصل العرض عن حكايته ، تلك المسافة التي ستنفتح لإستدعاء تيمات وموتيفات عديدة من خارج إطار الحكاية لتصطنع لنفسها مجال زماني ومكاني أكثر سعة وبطريقة تسمح لنا برؤية قيصر ( المسن ) في صورة ثري نفطي عجوز ، أو بظهور أوكتافيو ( المنتصر ) على هيئة تمثال الحرية ، أو بتحول شخصيات الحكاية في مشهد ما إلى معروضات في متحف .
إن ما حصدناه حتى الآن ( انعدام العمق ، والنزعة الأدائية ، والكثافات المتجاورة ) يكاد يمثل الصيغة التي أصبحت تقليدية بالنسبة لما بعد الحداثة ، وداخل هذه الصيغة تحتل إشكالية العمق مرتبة استثنائية إلى حد ما لارتباطها بمجموعة من المفاهيم الجذرية مثل المعنى والحقيقة والأصل والذات الفاعلة والاندماج أو التأكيد .. الخ . بحيث أن ظاهرة ما بعد الحداثة لا تبدأ في طرح فسها في أي مجال ثقافية أو في أي مجتمع إلا عندما يغدو من الصعب تناول ثنائية العمق / السطح ضمن المنظورات المألوفة .
ومن الممكن أن نصنف اسهامات ما بعد الحداثة ضمن تيارين يتحددان طبقا للموقف من إشكالية العمق ، ويقوم التيار الأول على تفكيك لعبة العمق وتدميرها من داخلها بحيث يجري كشف أن ما يلعب دور العمق ليس سوى سطح تم إخفاؤه أو طمره ، وبالتالي فلا يوجد أي تمايز بين السطح والعمق إلا من حيث دور كل منهما داخل لعبة محددة سلفا ، وهذا التيار قد وجد تنظيره المبكر مع ميشيل فوكو ( 1962) .
أما التيار الثاني فيقوم على اختفاء – وليس إخفاء – العمق الذي لم يعد من الممكن الإحتفاظ به ، أو الحديث عنه ، فالمشكلة هنا ليست في اللعبة نفسها ، ولا في محاولة تجاوزها ، وإنما في افتقادها للإكتمال ، أي في عدم إمكان الحصول على معنى أساسي منظم يلعب دور العمق .
وتتباين ردود الأفعال لدى هذا التيار حول مسألة اختفاء العمق ، فهناك من يؤبنها بعنلئية فلسفية معقدة تشتعل بالحنين ( جان بودريار) ، وهناك من يحتفي بها على نحو مبالغ فيه ( تشارلز جنكز) ، كما سنجد من يتعامل مع الموقف برمته بوصفه مأزقا ينبغي الخروج منه لإستعادة كفاءة اللعبة ( فردريك جيمسون) .
وربما سيبدو واضحا أن عرض " أنطوريو وكيلوبطة"يأتي أكثر توجها نحو التيار الثاني ، فهو لا يعتني إطلاقا بتفكيك أي من مكوناته ، بالإضافة إلى أنه يخضع لتخطيط يقوم على حذف وخلخلة أو هتك كل ما يحتمل أن يفكر فيه المشاهد بوصفه عمقا ، وهو ما يتم على نحو يشكل إلحاحا منتظما على مسألة غياب العمق ، وبرغم هذا السعي الدؤوب فإن بعض الأشياء قد أفلتت من قبضته ، فمنذ البداية وحتى النهاية يخضع مسار العرض لقيادة صوت المعلق الذي يمهد للأحداث والمشاهد ساردا التاريخ شبه الرسمي للحكاية بنبرة مفعمة باليقين تأتينا عبر تقطر بطيء للصوت الذي سيبدو منهمكا – إلى أبعد حد – في تأمل ذاته ، فيما سينصرف كل اهتمام شخصيات العرض إلى اللحاق به والتواؤم مع ما يحكيه .
ومن جهة أخرى تأتي الإضاءة – التي قد تستحق إشادة خاصة ولكن في سياق آخر – أكثر استجابة للإيحاءات التقليدية للمشاهد ، بحيث أن ما يتم إقصاؤه عبر الحوار والأداء التمثيلي سيعود ليجني تعزيزا إضافيا من خلال الإضاءة وشريط الصوت .
ولا تعد هذه المفارقة شديدة الندرة في الأعمال التي تنطوي داخل التيار الثاني كما وصفناه سابقا ، فعادة ما تعاني اسهامات هذا التيار من منطقة عمياء لا يستطيع نفيها أو إزاحتها ، بينما تشكل في الوقت نفسه الأرض التي يقيم فوقها لعبته .
غير أن المشهد الختامي للعرض سيضعنا أمام موقف بالغ الغرابة ، ولذلك يستحسن أن نصفه بالتفصيل : فبغتة ، وقبل ا، ندرك أن النهاية قد حلت ، سيمسح الممثلون مساحيقهم الكثيفة ، فيما ستتحرر أجسادهم من توترها المبالغ فيه لتنبسط ملامح الوجه في صفاء وتمتد الأيدي قليلا إلى الأمام في وضع استقبال وترحيب ، ثم يبدأ التغني بما يشبه النشيد ( كل شعوب الأرض عاوزه نمد لبعض إيدنا ، يكفى كره ، ويكفى حرب .. الخ . ) والذي يلقى بالفرنسية أولا ، ثم بالإنجليزية ليستمر بعد ذلك ويكرر بالعربية  بينما يهبط الممثلون من فوق الخشبة  وتتشابك أيديهم مع المشاهدين في حلقة تطوف دورة كاملة بالصالة .
وهكذا ، فكل شيء يوحي ويؤكد أن هذه اللحظة الختامية تقدم إلينا بوصفها لحظة الحقيقة لا لحظة تمثيل يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وكأن علينا أن نتكاتف جميعا لنحرز المعنى النبيل عبر الاندماج في هذا الابتهال الهيوماني المتبتل ، وبالتالي فعلينا أن ننسى ما قدمه العرض خلال ساعتين ، والذي كان بمثابة تمرين رياضياتي يثبت غياب هذا المعنى النبيل .
ولكن ألا يبدو أن العرض هنا قد انقلب  على نفسه ، ولم يحتمل ذلك الفراغ الذي صنعه عبر الإلحاح المتوالي والمنتظم على غياب العمق والمعنى ، فمال في النهاية إلى استثماره بتقديم بديل صالح لما رفضه ، وهنا ألن يبدو الأمر وكأن العرض قد قفز إلى الخلف منزلقا تجاه ما يشبه لحظة التطهير الأرسطية ؟
إن اقتفاء العرض لخطوات المنحى ما بعد الحداثي لا يكفل بحد ذاته إمتيازا فنيا يحسب له ، خاصة إذا ما أخذنا في اعتبارنا بعض مواضع الفجاجة والغلظة ، والتي كان يمكن تجنبها بسهولة ، وبرغم ذلك فالعرض يكتسب أهمية استثنائية لأنه يتيح لنا التفكير ف يالإلحاحات الثقافية الراهنة على نحو أكثر جدية، وهو ما لا تتيحه عروض أخرى كثيرة قد لا تفتقر إلى الحساسية بقدر ما تفتقر إلى التجديد.

 عبد الناصر حنفي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق