الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

القدم اليسرى لليل



سنتناول هنا بالتحليل عرضا كان يمكن له أن يصبح حدثا مسرحيا ، ولكنه لم يفعل.
" القدم اليسرى لليل" عرض قدمه مسرح الهناجر خلال الشهر الماضي ، وهو مأخوذ عن مسرحية أرثر ميللر البوتقة ، أو ساحرات ساليم ، وقد قام " محمد أبو السعود بإعداد وإخراج هذه العرض الذي ستطالعنا بدايته بمجموعة متتالية وبطيئة من اللوحات الحركية ، والتي ستبدو كتحليل تعبيري لم تخفف نعومته من تقليديته ، ثم ما أن تمر عدة دقائق حتى مجد أنفسنا أمام تعاقب منهمر لمشاهد كلامية ستوالي التقلب في ملل مضجر حتى نهاية الفصل الأول ، وهو نفس ما سنقابله تقريبا في الفصل الثاني الذي ستنعشنا بدايته بمجموعة من المشاهد المنوعة ، والتي ما إن تبدأ حيويتها في التسرب إلينا حتى تعود " الكلاميات" لتستولى على الساحة حتى النهاية، مستحوذة بذلك على أكثر من 85% من زمن العرض الذي يتجاوز الأربع ساعات .
وإذا ما حاولنا تتبع هذه الكلاميات ، فسنكتشف على الفور أننا قد وقعنا فيما يشبه لعبة "التنصت" ، وأننا نكاد نسترق السمع إلى ما سيبدو وكأنه غير موجه لنا ، ولم يكن من المفترض أن نسمعه ، فاللهاث الكلامي يأتي هنا زاخرا بالجمل الطويلة ذات الاستدراكات المركبة والتي فيما تلتف حول نفسها في رشاقة بارعة ستجبرنا على التوقف معها قليلا لفض تركيبها – ولا أقول تأمله أو الاستمتاع به - ، ولكن ما أن نفعل ذلك حتى تكون الجمل التالية قد فقدتنا ليعاودنا شعورنا بالتلصص.
لنسجل أولا أن أغلب المتفرجين لم يطيقوا مواصلة هذه اللعبة ، وفضلوا الانصراف .
أما أنا فأعتقد أنه عندما نكون أمام مشاهد مصممة بشكل كلاسيكي بحيث تقود " الكلمة " وتهيمن على كافة المفردات الأخرى لتصبح الاختلافات بين الكلمات هي المفاصل الرئيسية للحركة ، إزاء مشاهد كتلك فإن أبو السعود لن يتقدم الصفوف ، بل ربما سأزعم أنه لن يبدي رغبة قوية في هذا الصدد ، وهو ما قد يدفعنا للتساؤل عما حاول فعله في هذا العرض .
والأسطر التالية هي مجرد محاولة لطرح إجابة ما عن هذا التساؤل بقدر ما هي محاولة لاكتشاف أهمية التجربة الجمالية – المجهضة- التي يتضمنها هذا العرض.
سأبدأ إذا بوصف ما أعتقد أنه الأسلوب العام لأبو السعود كما يظهر في عرضه السابق " بريسكا" والذي ربما يعد أفضل ما قدمه حتى الآن ، مع بيان أهمية اللعبة الجمالية التي يقوم عليها هذا الأسلوب ، ثم سنتعرض سريعا لنص ميللر وكيفية تعامل أبو السعود معه ، والمهام التي طرحها على نفسه ، والتقنيات التي استخدمها لتحقيق هذه المهام ، لننتهي إلى محاولة تفسير الشحوب الممل لهذا العرض رغم ما بذل فيه من جهد .

اللعبة الجمالية : كسر الترابطات .
إن اللعبة الجمالية التي يحاول هذا المخرج استثمارها لصالحه تجد نقطة بدايتها انطلاقا من تيمات حادة الدلالة يتم التقاطها من نص ما سيتم تعريفه بأنه " مصدر العرض" ( مثلما أهل الكهف " نص توفيق الحكيم بالنسبة لعرض بريسكا " ) ثم يلي ذلك اتباع استراتيجية انتهاك شديدة لهذه التيمات ، أولا بخلخلة العلاقات فيما بينها عن طريق دس تيمات أخرى مناقضة أو متعارضة لتحتل المساحات البينية بين التيمات الأصلية وتمدد الفراغات فيما بينها ، وينبغي أن نلاحظ أن ها التناقض بين التيمات لا يأتي هنا ليقوم بدور مجداف إضافي للقارب الدرامي ، إنه سيلقى في حالة تجاور بحيث لا ينحل قط في مركب أعلى ، ولا تتم تصفيته حتى النهاية .
وضمن هذا الاتجاه الرئيسي للاستراتيجية سيتفرع منحى آخر تكون مهمته تفريغ كل هذه التيمات من عمقها الباطني المفترض ، ليس عن طريق ابتذالها أو حتى السخرية منها ، بل بواسطة "إظهار" هذا العمق مجردا من امتيازاته ، و وضعه أمام العين على قدم المساواة مع بقية عناصر العرض ، بمعنى أنه إذا ما كانت الدوال "الظاهرة "أمامنا ستبدو وكأنها تشير إلى مدلول باطني ، يقبع في الغياب ليحركها ، أو لتتوجه حركتها نحوه ، فإن استراتيجية هذه اللعبة التي نصفها هنا ستقضي بإظهار هذا " المدلول" عبر إكسابه حضورا ما ، أي بتحويله إلى "دال "سينخرط بين الدوال الأخرى بحيث لا يملك أي امتياز فائق عما سواه ، وهذه اللعبة ذات امكانات وصور غير محدودة ، فاللاعب نفسه ( المخرج هنا) هو الذي سيقرر ما الذي يمكن التفكير فيه كمحرك خفي ليعاود إظهاره كجزء من أجزاء الآلة ، إن اللعبة هنا ليست كسر التوقع ، بل إظهاره ، ولكنها إذا ما نفذت ببراعة ستؤدي إلى كسر ثنائية الحضور/ الغياب ليتحول الأمر إلى حضور محض بلا غياب ، إلى أسطح متجاورة بلا عمق .
وهكذا فتجاور التيمات التي لا تتصارع معا لتحقيق ذروة ما ، وتجاور الدوال بدون الإحالة إلى مدلول باطني ، سيؤديا معا إلى حالة من " كسر الترابطات" سواء بين التيمة والأخرى ، أو بين الدال والمدلول ، وبدلا من أن ينظم العرض مفرداته على نحو تراتبي  وصولا إلى نقطة اكتمال ما ، فإنه سيتكون من مشاهد لن تعتني كثيرا بتحقيق أي تتابع منطقي أو درامي ، بحيث لا ينبني المشهد اللاحق على السابق إلا في اضيق الحدود الممكنة ( وهي عندما توجد فستمثل الأثر الباقي المترسب من النص / المصدر) . وعلى هذا النحو فسيكون لكل مشهد لحظات تكثيفه الخاصة به ودون أن يمثل المشهد التالي استمرارا لهذه اللحظات أو عودة إليها ، فالعرض لم يعد يتمركز حول فعل درامي ما يجري تكثيفه بطريقة نظامية ، بل نحن أمام كثافات متعددة لا يجمعها أي رابط خطي  ، ذرى صغيرة تتفجر داخل كل مشهد ثم يجري إزاحتها بلا عودة ، كل ذلك سيتم عبر إيقاع خاطف ، هادر ، يلهث بلا توقف .


2  -  من كسر الإيهام إلى كسر الترابطات :

وكما يمكن للبعض أن يفكر ، فربما سنكون إزاء مأساة " حقيقية" تنبعث من هذه اللعبة التي تحمل -  بوضوح – وصمة ما بعد حداثية ذات فعل مدمر ، تخريبي ، .. الخ . إلا أن الذين يفكرون بهذه الطريقة يبدأون عادة بتخيل ساحة " المجتمع" وقد خلت تماما إلا من هذه اللعبة ، وهذا التخيل تحديدا هو ما يكسبها على الفور طابعا سلبيا لا يمكنهم إغفاله .
غير أن هذه اللعبة – مثلها مثل أي شيء آخر – لا تستمد فعاليتها من محتواها الذاتي ، الداخلي ، ولا مما تقوم به فحسب ، بل من موقع معين تحتله ضمن شبكة الألعاب التي نمارس عبرها علاقتنا بالعالم .
والآن ها نحن نعيش – كما بات الجميع يصرخ منذرا أو مهددا – داخل علاقات أو ترابطات مستمرة في التآكل ، فيما كل الخيارات ( أو الألعاب ) الفكرية المطروحة تراهن على الخلاص من هذه الأزمة بواسطة المزيد من الانغماس في جزء من هذه الترابطات مقابل الانخلاع من بقيتها ، وفي مثل هذا المناخ ستكتسب الألعاب الجمالية – أو الفن – إمكانية استثنائية بحيث ستصبح المجال الوحيد الصالح لطرح لعبة الترابطات بأكملها للتساؤل بدون الانزلاق المنحدر إلى تأكيد ترابط ما على حساب آخر .
وسواء تم ذلك بإظهار هذه الترابطات على السطح ، بتعريضها للضوء ، أو خلخلتها وإفقادها ثقلها عن طريق إزاحتها باستمرار ، فإننا أمام لعبة مغايرة ، لم تعد هي لعبة الانغماس أو التواطؤ ، لعبة قد لا تستطيع – في أفضل الأحوال – سوى التخفيف من وطأة الترابطات التي نرزح داخلها ، مما قد يساعد على إفساح ، أو إتاحة إمكانية للحركة عبرها ، أو خارجها ، وهي حركة يصعب التنبؤ بنتائجها ، كما يستحيل إخضاعها للغايات المحددة سلفا .
إلا أن المناخ الذي يجعل ظهور هذه اللعبة ملحا ، هو نفسه الذي سيضغط ضد أي منفذ لظهورها ، أو لتقبلها ، وهذا الضغط سيتخذ صورته الأكثر عنفا ، تحديدا ، لدى هؤلاء الأشد احتياجا للحركة ، والأكثر تطلبا لها ، أي هؤلاء الذين يرون الأزمة بحدة مفعمة بروح المسئولية على نحو لا يتيح لهم سوى المراهنة على إمكانية الخلاص الذي ينبغي أن يكون معلقا بخطوة ما ( ودائما خطوتهم هم تحديدا ) . وفي خضم هذا " الانغماس " ستبدو لعبة كسر الترابطات وكأنها موجهة ضدهم ( وبصفة شخصية أحيانا) ، وضد رهانهم .
ولكن ربما كنا الآن في وضع يمكننا من ملاحظة أن الخيارات المتاحة أمامنا شحيحة للغاية ، فهي تنحصر في المفاضلة بين عدة أنواع من المشاجب ، أو الترابطات ، الانغماسات ، التواطؤات ، لننتقي أكثرها صلابة ، ونعلق فوقه أرواحنا ، آلامنا ، رهاناتنا ، وبين أن ندع هذه " الأرواح" تتحرك ، وصفقة الخلاص ، فيما يبدو ، ليست جزءا من هذه المفاضلة ، إذ ها هي الساحة خالية ( كما سيلاحظ أنبياء الخلاص ) تستعرض شبقها في مةاجهة الجميع على نحو لا يكترث بالحياء .
وفي هذا الإطار فإن أسلوب أبو السعود يستمد أهميته من محاولة استشراف ومقاربة هذه اللعبة التي ربما ، وسأشدد على " ربما" ، سيمكنها استعادة بعض الفعاالية التي افتقدها "المسرح " ولم يستطع تعويضها منذ أن تم استلاب " التغريب " وكسر الايهام البريختي ، عبر تحويله إلى لعبة تجارية شاحبة تم تفريغ قدرتها على إزاحة وتفجير الحدود بين الفن والواقع .


3  -  النص / الكتلة ، بدلا من النص / المصدر :

ولكي يكون بمقدورنا نفهم تجربة أبو السعود والتحولات التي طرأت علي لعبته في هذا العرض ، فسيتعين علينا أولا أن نمر بنص " ميللر" المأخوذ بفضيحة المكارثية ، والذي يتناول واقعة حقيقية حدثت في التاريخ الأمريكي ترجع إلى نهاية القرن السابع عشر ، محاولا تحليل كيفية بروز حالة من التوهم المصحوبة بهلع جماعي ، فمن رحم ما لا يتجاوز بعض الأحداث اليومية التافهة ، سيبدأ استدعاء دائرة الشيطان والسحر ، والتي ستطرح أولا كفرصة نادرة أمام البعض لإعادة توزيع الأدوار ، ولكن ما أن تبدأ هذه الحركة حتى تلتقطها مستويات أعلى فأعلى من السلطة ليعيد كل منها توزيع الأدوار لصالحه ، بحيث سينقلب المتهم إلى ضحية ، والمحقق إلى متهم ، .. الخ ، وكل هذه الانقلابات سيصيغها  ميللر برهافة بالغة من خلال رصد التمفصلات الدقيقة للعلاقات وكيفية إزاحتها بواسطة التقنيات السلطوية المختلفة ، وهو ما يعطي في النهاية نصا متماسكا بقوة ، فها هنا مدينة يكاد يفنيها الشر النابع من تقواها الخاصة ، وسلطة ممثلة بقاض لا يعتقد أنه يمثل أي أحد ، أو أي شيء ، بإستثناء الحقيقة والعدل ، وبفضل هذا الاستثناء  تحديدا سيحكم بالاعدام على العشرات ، تارة لأنه يفتقد إلى الحقيقة ، وأخرى لأنه يفتقد إلى الكذب ، إن نصا كهذا يشكل تحديا مروعا بالنسبة لأسلوب أبو السعود ، الذي لأمر ما ، لم يستطع ، أو لم يختر ، تفتيت هذا النص إلى تيمات ، بل قرر ان يعامله  ككتلة واحدة ،بحيث يتم تطبيق استراتيجية الانتهاك ولعبة كسر الترابطات على النص بمجمله ، كما كان يحدث بالنسبة لتيمة واحدة في السابق ، وبرغم أن هذا القرار سيحاول أن يظل وفيا للإتجاه العام للعبة ، إلا أنه سيطرح عليها مهام مختلفة ستبدل من شكلها ، وهذه المهام يمكن تحديدها كالتالي :
1 – تسييج أو حصر النص / الكتلة .
2 – خلخلة وتفريغ الكتلة .
3 – تشريح أو تحليل الكتلة .

ومعظم جوانب هذه المهام سيتم استيفاؤها عن طريق التشكيل البصري بصفة أساسية .

4 – تسييج الكتلة :
منذ البداية سنجد أنفسنا إزاء خشبة مسرح شديدة العمق والاتساع ، ففي المقدمة سيبرز جزء من الخشبة ليلتهم عدة صفوف من مقاعد المتفرجين ، وبالطريقة نفسها ستتراجع الخشبة إلى الخلف لتغوص بين مقاعد الجانب المقابل لمسرح الهناجر ، حيث ثبتت قطعة ديكور شبيهة بدرج عالي .
وبالتعارض مع هذه المساحة الشديدة الاتساع ، فإن أغلب المشاهد التي تعود إلى " النص" ستظل محصورة داخل نطاق أكثر تحديدا ، فالقطعة الرئيسية للديكور تتكون من ساترين مرتفعين ، لكل منهما قاعدة مدرجة ، ثم إطار كبير يمكن فتح وإغلاق أضلاعه مثل النافذة ، وسيتم وضع هذين الساترين ، أو النافذتين ، في وضع متناظر بحيث تعطي الخطوط الوهمية المارة بحوافهما شكل منحرف أو متوازي أضلاع ، وداخل مساحة هذا الشكل سنطالع مشاهد النص ، وهكذا سيبدو الممثلون حين يؤدون ما يعود إلى نص ميللر وكأنهم أسرى داخل صندوق ما ، ولنطلق عليه صندوق المشاهدة ، أو صندوق النص ، ومع هذا التوزيع للمكان سينهار التعارض بين مقدمة المسرح وعمقه ، والذي قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه المهيمن ، وبالتالي يصبح التعارض الرئيسي الذي يقسم فضاء المسرح هو تعارض مساحة الصندوق ، أو داخله ، مقابل مساحة الحواف ، أو خارجه ، بغض النظر عما إذا كانت هذه الحواف تقع بالنسبة لنا أمام الصندوق أو خلفه .
وسيتعزز هذا التعارض مرة أخرى بواسطة مصادر الإضاءة التي سيجعل المخرج أغلبها مكشوفا لمتفرجه ، وسيلح على ذلك إلى درجة تركها تصطدم بالعين - في صفاقة- من وقت لآخر . وتتشكل مصادر الإضاءة ( المكشوفة) في دائرتين متعامدتين ، الأولى رأسية تقع في بداية النصف الخلفي للخشبة لتتطابق مع الضلع الخلفي لصندوق المشاهدة ، وهي تبدأ من أعلى نقطة هابطة فوق الجدران حتى تصل إلى الأرضية ، أما الدائرة الأفقية فستحدد فضاء المسرح ( وليس فضاء الصندوق ) بحيث يكون حدها الأمامي هو أقصى بروز للخشبة ، ليتم وضع مصدري إضاءة يقطعان صندوق المشاهدة ، وبعد أن تتقاطع الدائرتان عند مصادر الإضاءة الجانبية والقريبة من أرضية المسرح ستكتمل الدائرة الأفقية عند أقصى نقطة في الخلف .
ولكن فيما ستتحدد الدائرة الرأسية ( دائرة صندوق المشاهدة ) بوضوح صارم ، فإن الدائرة الأفقية ستشهد إنفلاتات حادة ، ففي الجانب الأيسر من كواليس المسرح سنشعر بوجود كشاف ضوئي قوي يلقي بظلال الممثلين على الجانب الأيمن من المسرح ، وكذلك فما أن تصل الدائرة إلى نقطتها الخلفية حتى سيبدو وكأنها قد غاصت إلى الأسفل ، بحيث لن نستطع رؤية الكشاف الموضوع أسفل الدرج هناك ، بل سنرى ضوءه المنعكس على وجهة الممثل الذي يؤدي شخصية الشيطان ( هاني المتناوي) والذي يقف أعلى الدرج .
وهكذا فإن تقنية التسييج هنا قد اعتمدت على توزيع الفراغ والإضاءة ، بحيث يتم تحديد صندوق النص عبر دائرة ضوئية مغلقة وبدون انقطاعات ، فيما حواف الصندوق ستحاط بدائرة مفتوحة تتجاوز حدودها حدود الفضاء المسرحي نفسه لتمتد إلى اليسار ، وإلى أسفل .
وأهمية هذه التقنية هنا تتمثل في تدشين عملية نفي التماهي بين النص المعروض ، وبين العرض ذاته ، وبرغم أنها حاسمة في هذه النقطة ، إلا أنها أكثر مراوغة في تحديد الدائرة التي ستحيط بذلك " المعروض" والتي لا يمكن تعيين حدودها المنفلتة .

5 – خلخلة وتفريغ الكتلة :
في بداية الفصل الثاني ، ستقدم معظم الشخصيات جالسة أو معلقة فوق النافذتين اللتين سيتضاما معا ليشكلا ساترا واحدا يكاد يغلق خشبة المسرح ، وها هو صندوق المشاهدة الذي عزلته تقنية التسييج عبر الفصل الأول سيبدو هنا وكأ،ه مجرد ساتر أملس ذو سطح مستوي ، لحظات ثم يظلم المسرح ليدور الساتر حول نفسه حيث سنجد بقية شخصيات المسرحية معلقة فوق السطح الخلفي ( وسنأتي بعد قليل إلى تحليل توزيع الشخصيات على السطحين ) .
وعبر هذين السطحين اللذين يشكلان وجهي  صورة واحدة أو عملة واحدة ، سنجد أنفسنا في خضم فخ أو خدعة التمثيل (   ) ذلك الوهم الذي يخلق العمق ، فكلما أردنا " الولوج" بين هذين السطحين ، أو التمركز ، أو التماهي في احدهما على حساب الآخر ، باختصار كلما كان علينا أ، نقترب من سطح لنبتعد عن آخر ، فإننا بهذه الطريقة نخلق العمق الذي هو ليس أكثر من مجرد مساحة أو فراغ ما بين الأسطح .
في هذا المشهد نفسه ، سيعلو في الخلفية مقطع لأم كلثوم " ما تفكرنيش ، ما خلاص أنا فاض بيا ومليت " ، ومع هذه الإشارة ( الفاضحة الدلالة ) ستحرك الشخصيات – المتجمدة – رؤوسها في بطء بحيث تبدو وكأنها تستجيب لضغط ما ، لتتلفت الرؤوس في النهاية إلى اليسار نحو الكشاف الضوئي القوي المثبت بالكواليس ، ومع هذه اللفتة سيبدو واضحا أن المراقب لا يخلق العمق فحسب ، بل يخلق الحركة أيضا ، وصندوق المشاهدة القابل للإنضغاط إلى مجرد صورة لن يكتسب أي مساحة إلا ما ستسمح به الحواف الخارجية ، وهكذا فكل فعاليات الصندوق ، وبالتالي الكتلة التي يحتويها مستمدة من الخارج الذي يستطيع تعبئة وتفريغ هذه الكتلة بما يشاء ، وبلا حدود .
أما التقنية الثانية المستخدمة هنا ، والتي كانت ذات أثر مدمر على العرض بسبب الطريقة التي نفذت بها ، فهي تحريك الممثلين داخل صندوق المشاهدة .
فعبر مشاهد الصندوق الكلامية سنلاحظ الأداء الصوتي الجامد للمثلين الذين ترك لهم أن يرتفعوا بأصواتهم قدر استطاعتهم ن ولكن بدون إضفاء أي تلوينات إنفعالية ، وبدون وقفات بين الجمل الحوارية ولا حتى لإلتقاط الانفاس وبينما قد يصل العدد فوق المسرح إلى عشرة ممثلين فإن الشخصية المتلفظة بالحوار فقط هي التي سيسمح لها بالتحرك ، فيما ستقف بقية الشخصيات أو تجلس في جمود .
إذا ها نحن أمام حوارات مطولة ، حيث ينبغي أن تبرز التمفصلات الدقيقة للعلاقات ، والتي سيتوجب عليها أن تبدو وكأنها تتعرض لضغوط وإزاحة مستمرين حتى النهاية ، ولكن بلا إنفعال ، وبلا فراغات كافية بين الأصوات ، وإذا ما تغاضينا عن الطريقة الرديئة التي نفذت بها هذه التقنية ، فسنلمح خلفها عملية انتهاك بالغة القسوة للنص / الكتلة ، فمقابل خلخلة الكتلة من الخارج عبر التقنية السابقة فإننا هنا إزاء خلخلة للعلاقات والمقاصد الداخلية لجمل النص الذي سيعاد تلاوته أو سيعاد إستظهاره مع إهمال كافة الانفعالات والمعاني المصاحبة له ، وهذه التقنية يمكن إرجاعها مباشرة إلى أسلوب الباستيش (   ) أو الاستظهار ، وهي التقنية الرئيسية لأعمال ما بعد الحداثة والتي تقوم على ممارسة محايدة لعملية المحاكاة مع تفريغ ما يتم محاكاته من أي قصدية محايثة ، وبدون إضفاء أي قصدية أخرى ( وبسبب هذه السمات سأفضل ترجمة الباستيش بالاستظهار التي ستبدو قادرة على إبراز هذه العلاقة الخاصة بالقصدية بأكثر مما ستفعل ترجمات أخرى مثل المعارضة أو المقابسة ) .
وهذه التقنية تحديدا قد أدت إلى تغيير الشكل العام للعبة الجمالية التي يمارسها أبو السعود ، والتي تحولت من توسيع الفجوات وخلق المسافات والفراغات بين التيمة والأخرى ، أو بين المشهد والآخر ، لتتجه إلى تضييق هذه الفجوات أو طمسها بحذف مجال القصدية الذي يفترض أن يعمل بنفس طريقة مجال القوى بحيث يكسب الوحدات ترابطها وشكلها ، وهو ما أدى إلى تحطيم النص من الداخل ليتحول إلى جمل حوارية وشخصيات ، .. الخ ، ستظل محتفظة بتعاقبها الذي خطط له ميللر ، ولكن بدون أي روابط داخلية .
لقد تم هنا تفريغ الكتلة إلى حد لا يمكن الذهاب بعده .
أما التقنية الثالثة المستخدمة في تفريغ النص / الكتلة  ، فهي تقنية الاظهار ، والتي ستبدو وكأنها عودة إلى لعبة "كسر الترابطات "، بعد أن تم السيطرة على النص إلا أن هذه اللحظة التي سيحاول فيها أبو السعود العودة إلى لعبته ، ستكون هي اللحظة نفسها التي إبتعد فيها ب رجعة عن المجال الممكن لهذه اللعبة ، فها هي تقنية الإظهار تأتي لتعمل في نطاق لم يفقد تراتبيته بعد ، ودون أن تعززها التجاورات الحرة للتيمات .
وباستثناء بعض الإظهارات التي تبرق وتختفي سريعا ، مثل إظهار ما هو مفكر به بصدد المحاكمة، فإن أبو السعود يختار تطبيق هذه التقنية بشكل موسع على موتيفة الشيطان أولا بصفته مفكرا به داخل نص ميللر ( الفصل الأول ) ، ثم ثانيا بصفته مفكرا به ككيان أسطوري ، ميتافيزيقي ، وأخلاقي ( في الفصل الثاني ) ومع هذه الخطوات الأخيرة ربما سنجد أنفسنا أمام ما يمكن أن نطلق عليه الإظهار المزدوج ، أو الإظهار الأسي .
إن الشيطان " المظهر " سيتواجد أغلب زمن العرض خارج وداخل نص تم تهشيم تماسكه ، وعبر محاولة " دمج " هذا التواجد داخل العرض ستتشكل روابط تأويلية تنبسط على مساحة زمنية واسعة ، مما سيجعلها تبدو  وكأنها تهيمن على العرض بطريقة دفعت بعض المتفرجين إلى ملاحظة " تلك المسحة الخرافية الساذجة للعرض " ، إلا أن أبو السعود في صراعه الشرس ضد ميللر لن يتوقف عند هذه الملاحظة ، بل سيستغل هذا الأمر في محاولة النفاذ إلى النص وتحليله ، مما سيؤدي إلى تطوير تلك الروابط لتتحول لعبة العرض الأساسية إلى أرض الإزاحات التأويلية ذات الآلية المألوفة ، وهو ما يشكل أساس المهمة الثالثة .

6 – تحليل الكتلة :
إذا فها هو شكل اللعبة يتشوه ،  فمع اللحظة الأولى للعرض سنجد أن أبو السعود يحاول تقديم شخصياته لنا طبقا لاستقطابات هندسية شديدة الحدة ، إذ ستتقدم الشخصيات الرجالية من الصالة ، فيما ستأتي الشخصيات النسائية من داخل المسرح لتتقطع المجموعتان معا عند مقدمة الخشبة حيث تربض آبي ( نورا أمين ) .
وفي المشهد الأول من الفصل الثاني ، والذي حللناه سابقا ، سنجد كل شخصيات العرض معلقة بأحد وجهي النافذة ، فيما ستنفرد بالوجه الآخر " آبي" و"الشيطان"  ، واللذين سيتعلقا في اقصى إرتفاع للنافذة في وضع يشبه الصلب . وهكذا فبعد أن قدمت آبي كمحور أو نقطة إلتقاء جميع الشخصيات سيعاد تصنيفها هنا مع الشيطان في تعارض مع الباقين .
وهذا التعارض سيتعزز من خلال مجريات العرض ، فهاتين الشخصيتين سيسمح لهما وحدهما أن يظهرا بعض الإنفعالات  تحت ضغط حوار ليسا ضمن أطرافه ، وهكذا ستوالي آبي إضفاء قد أكبر من التلوين على نبرات صوتها ، والانكماش بجسدها – دائما عند مقدمة المسرح – بينما ستركز الإضاءة على ملامح وجهها التي ستتجعد في انشطار أريد له أن يبدو باعثا على الألم ، أما الشيطان فهو عادة في أقصى الخلف يتماوج بجسده وذراعيه المنفردتين .
وفي أحد المشاهد المبكرة بالفصل الأول ستحلم آبي بالشيطان ، وفي هذا المشهد سيؤدي ممثل آخر ( حمادة أبو شوشة ) دور شيطان الحلم .
أما الشيطان الذي سيصاحبنا من بداية العرض لنهايته فسيبدو في هذا المشهد كجزء من جسد آبي الممدد فوق الفراش ، جزء لا يختلف عن الجسد الأصلي في شيء باستثناء أنه يعاكسه في الاتجاه ، وبمرور الحلم سيتوحدا معا ليشكلا جسدا واحدا لن يلبث أن ينفصل إلى وحدتين كما كانا ليتوزعا فوق أرجاء المسرح ، هذا الجسد المنقسم هو وحده الحي والذي سيسمح له بإبداء الإنفعالات بالآخرين ، ووحده سيتحرك عبر كل فضاء خشبة المسرح داخل صندوق المشاهدة وعند حوافه .
إن الشيطان سيلوح لنا هنا وكأنه الجزء المزاح من جسد مقهور فائر بالرغبة . ورغم أن هذا التأويل التحليلي سيبدو أوليا أكثر مما ينبغي ، إلا أن أبو السعود لن يحتفظ به طويلا ، ففي بداية الفصل الثاني ، وهو فصل المحاكمة ، سيتم طرح كافة الاستيهامات الأخرى المتعلقة بشخصية الشيطان الذي سيظهر كمدير لماخور العالم  في مشهد ، ثم بوصفه المنازع الاسطوري للإله ، وبعد هذا الاظهار المزدوج أو الأسي ، أي بعد إظهار المفكر به بصدد الشيطان ذاته ، سيطوف بالصالة ليجلس في مقاعد المتفرجين وبشعل سيجارته بينهم في تمرد ، وعندما سيعود إلى خشبة المسرح سيبدو وكأنه قد إكتسب شرعية ما ، إذ سيغادر مقر إقامته عند الحواف لينفد إلى داخل صندوق المشاهدة ، ليتحول من منفعل إلى أحد الفاعلين الرئيسين في إدارة الأحداث ، وهو ما سيترافق مع تحول آخر للصراع الذي لم يعد يدور بين أفراد ذوي تبديات سلطوية متفاوتة ، بل أصبح صراع السلطة ضد الجميع . ومن هنا سيبرز العرض التعاضد بين الشيطان الذي إكتسب شرعيته من بيننا في الصالة ، وبين السلطة ، بحيث سينفك ترابط الشيطان بجسد آبي التي ستزاح إلى المنطقة المظلمة في خلفية المسرح قبل أن تختفي تماما من إطار الأحداث . وهنا قد لا يبدو هذا التأويل " أوليا " ، ولكنه ليس أقل سذاجة ، إذ عادة ما تخلق الرغبات المبتورة على هذا النحو شياطيناه في الأساطير أكثر مما تفعل في المسارح .
وهكذا فإن المهام التي طرحها الشكل الجديد للعبة أفضت بها إلى بعض التصميمات التأويلية ، فهل يطرح أبو السعود هذا كبديل  للعبته الأولى " كسر الترابطات " ، لا أعتقد ذلك .

7 – من أبو السعود إلى ميللر ، والعكس :
أعتقد أن العلاقة بين أبو السعود ( العرض ) وميللر ( النص ) تستجيب بوضوح لنمط الصراع الأوديبي المطور الذي يصفه الناقد التفكيكي الأمريكي " هارولد بلوم " جيث يتمحور الإنتاج الجمالي ( أ, الشعر بالنسبة لبلوم ) حول ذلك الصراع بين الابن ، أو الشاعر ،الفنان ، الشاب ، وبين الأب ، ذلك الشاعر السابق الذي نال الاعتراف وأصبح يمثل التقاليد الجمالية ، ولن نستعرض هنا المراحل التي يرسمها " بلوم " لهذا الصراع ، ولكن يكفينا أن نلاحظ التغير المشوه في أسلوب ، أو لعبة أبو السعود عر محاولته السيطرة على نص ميللر ، والذي حاول تهشيمه بواسطة تقنية الباستيش أو الاستظهار بدون أن يبالي بالأثر المدمر لهذا على عرضه هو ، بدون أن يلجأ للتوسع في حذف مشاهد من النص .
وربما نستطيع تعزيز هذا التفسير إذا ما لاحظنا الاضمحلال النسبي في العرض للوحات الحركية الراقصة ، والمنولوج الساخن ، والقصف الموسيقي المتواصل ، وهي الأشكال الأثيرة لدى أبو السعود والتي كان يستخدمها سابقا في تحقيق الكثافات الخاصة لكل مشهد .
 ولنلاحظ أيضا تبدل طريقته في التعامل مع ممثليه ، فهو عادة لا يصمم عمله معتمدا على أي كفاءات خاصة للممثل ،بل سيبدو وكأنه يخط دائرة فراغ حول كل ممثل ، بحيث يعمل كل منهم على ملئها حسب استطاعته ، وبراعة التصميم هنا تكمن أساسا في عدم تذبذبه مع التباينات الواسعة الواسعة لكفاءة الأداء التمثيلي .
ولكن إزاء نص ميللر الذي يتطلب حساسية مرهفة من الممثل لجأ أبو السعود عبر تقنية الباستيش إلى استخدام ممثليه كعلامات تنصيص للحوار ، وهو ما يتطلب تدريبا شاقا ومرهقا وسيطرة حازمة على جسد الممثل الذي يصعب إخضاعه لهذه الطريقة الآلية المملة إلى حد بعيد بالنسبة له ، ولكن هنا أيضا خرج أبو السعود عن أسلوبه دون أن يتطيع تعبيد أسلوب جديد .
عبر صراع أبو السعود مع الأب ميللر سيبدو وكأن طاقاته قد تم استنفادها إلى حد لم يمكنه من التفكير في الشكل النهائي لعرضه ، وبالصورة التي سيراها مشاهده ، وها نحن ننتهي بما بدأنا به ، فطوال الوقت كنا نتحدث عن عرض مجهض ، مبتسر ، كان بإمكانه أن يحقق نجاحا مألوفا إذا ما بذل جهدا أقل للتآخي مع نص ميللر ، كما كان بإمكانه أن يفجر حدثا مسرحيا إذا ما بذل مجهودا أكثر بما يكفي لقتل الأب ميللر.

عبد الناصر حنفي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق