منذ اللحظة الأولى يبدأ نص " العدو في غرف النوم
" في رصد حالة التشيؤ والاستلاب والتسليع التي أصبح المجتمع عليها ، فدينا
طبيب وزوجته يقودان مظاهرة ( هما كل أعضائها ) ضد مدير أحد أندية الفيديو ( والذي
لن نراه قط ) وذلك لأنهما لم يحصلا على " رعب حقيقي" عند مشاهدة ما
يفترض أنه " فيلم رعب " .
وهنا لم يعد الرعب ، أو الذعر والخوف والهلع ، بمثابة
تلك القوى الاحتياطية للوجود الإنساني ، والتي تعمل على تفجير إنخطاف آسر في
مواجهة العالم ، بحيث يقع الإنسان بكامل حضوره تحت ضغط لحظة خطر ، يجري خلالها إطلاق طاقات الفعل المصحوبة بانشداد خارق إلى
الذات والذي قد يصل أحيانا إلى حالة من العنف المدمر ، والتي إما أن تبتعد
بالإنسان عن مصدر الخطر ، أو تلقى به في قلبه تماما .
وعلى هذا النحو يفقد الرعب خصيصته الوظيفية ، بوصفه
ضمانة بدائية في مواجهة الحياة ، ومخزونا
للقدرة على الفعل ، ويصبح مجرد سلعة يمكن تقديرها بالنقود حسب قيم التبادل السائدة
، وبالتالي فمن حق المستهلك أن يقاتل في سبيل الحصول على رعب " يساوي ما دفعه
من ثمن ، ولكن بالمقابل فإن هذا الاستلاب السلعي
لتلك القوى الأكثر غريزية في النفس البشرية يعني أننا قد أصبحنا دون قدرة
على قراءة أو استشعار الخطر ، ناهيك عن مواجهته ، وأن ثمة مسافة هائلة تتخلق عبر
آليات المجتمع لتفصلنا عن قوى الحياة وعن العالم ، وعن إمكانية الإدراك والمعرفة
والفعل في الواقع .
وما أن يسجل النص إلتفاته إلى هذه المسافة الغامضة وغير
الملحوظة ، حتى يموقع نفسه داخلها ، ويقود أحداثه عبرها وصولا إلى المشهد الختامي
.
وعبر المسار الذي سيقطعه النص داخل تلك المسافة ، والذي
يراهن على وضعنا في حالة من الرعب ، أو بالا حرى ، حالة من الرعب الناجم عن الوعي
بافتقاد القدرة على الشعور بالرعب ، أو على الإحساس بالخطر ، عبر هذا المسار
إذا سيتم استحضار العديد من التيمات
والقضايا ، بدء من إشكالية حضور الدولة ومؤسساتها ، ونهاية بمحاولة شكلنة مصدر التهديد
بالخطر وهوية العدو .. الخ .
ولن نهتم هنا سوى بمعالجة تيمة فرعية واحدة من تيمات
النص ، وهي دور المثقف ، هذا فيما يتعلق بالموضوع ، أما عن منهج التحليل فإن مفهوم
الاستلاب السلعي ، الذي بدأنا به ، قد
يكون أقل مما ينبغي في كفاءته النظرية بحيث لا يتيح لنا أداء مهمتنا ، ولذلك
فسأبدأ باستعادة بعض الأفكار حول مفهوم الاستعراض ( ) .
إن " الاستعراض " هو بالمقام الأول آلية
معرفية ( أو ابستمولوجية ) تقوم على الحركة الدائمة والمستمرة من تمثيل ( ) إلى آخر ، على نحو لا يهتم كثيرا بالواقع كما
هو ، ولا يفضي إليه ، وفي مجال الظاهرة الاجتماعية ، ينتج الاستعراض علاقات
اجتماعية بين الاشخاص تتوسط فيها التمثيلات ، ومن ناحية أخرى فإن هذه التمثيلات
التي يتم انتاجها وتبادلها في كافة مجالات الحياة والممارسات الاجتماعية ، هذه
التمثيلات " تندمج ضمن تيار مشترك لا يعود ممكنا فيه استعادة وحدة هذه الحياة
من جديد " ، وهكذا فالاستعراض يتغلغل في كافة علاقات الأشخاص فيما بينهم ،
وفي علاقتهم مع الحياة والظاهرة الاجتماعية .
إن النص يبدأ من تسجيل
- قد يبدو عابرا – لاختفاء العلاقة مع الواقع على المستوى الغريزي ،
واستبدالها بالعلاقة مع الصور ، ثم يقوم باستدعاء أحد مثقفي الطبقة الوسطى بوصفه
" رائيا" أي ذلك الذي يرى وينذر ويحذر من خطر واقع بالفعل ، وهنا ينفتح
النص تجاه ما يمكننا تسميته بـ "لعبة الحقيقة" والتي ستقود الجدل بشأن رؤيا ذلك المثقف وصولا
إلى المشهد الختامي الذي يوحي بأن الخطر قد داهم الجميع وانتهى الأمر .
ويقدم النص شخصيته الرئيسية " عاصم أيوب" في
صورة المثقف الحداثي الذي يمتلك – ربما بمحض الصدفة – معرفة لا يمكن تصديقها ،
وهذا المثقف الهامشي المزاح عن وجوده الاجتماعي سيبدو وكأنه يتحرك ضد المجتمع في
لحظة يأس قاهر ، ولكنه – إذا ما تمعنا قليلا – لا يطالب إلا بالاعتراف بوجوده حتى
لو تطلب الأمر التضحية بنفسه ، كما يطالب بالاعتراف بالمعرفة التي لا يملكها وحده
( فهناك العديد من الأشخاص الذين يفترض أنهم شاهدوا ما رآه ، وكابدوه مثله) ولكنه
الوحيد القادر على توزيعها .
وفيما يلمح العرض إلى أن ذلك المثقف لا زال يمتلك القدرة
على الإحساس بالخطر ، أي القدرة على إقامة علاقة مع الواقع العياني الأصيل ، إلا
أن هذه النقطة تظل معلقة دون تطوير بحيث سينصرف مسار الأحداث إلى تقديم "
لعبة الحقيقة " .
وبصفة عامة ، فإن لعبة الحقيقة تقوم تقليديا على أسطورة
وجود ترابط كنائي - لا ينفصم قط - بين الخطاب والواقع ، بحيث يؤدي كل منهما إلى
الآخر مباشرة ، بمعنى أن تمثل الواقع سيفضي مباشرة إلى إنتاج خطاب معين ، بينما
مجرد إرسال واستقبال هذا الخطاب سيفضي بدوره إلى إعادة تجلي الواقع الذي أنتجه ،
وبالطبع فمع هيمنة آلية الاستعراض فإن هذه الصلة تنفصم ، فالخطاب أو التمثيلات
المعرفية لا تفضي إلا إلى تمثيلات أخرى ، بحيث لا تستقر قط عند "واقع عياني
".
إلا أن الاستعراض يستبقي من أسطورة الحقيقة جانبها
" الحقوقي " الضاغط والمطالب بالمصادقة المصحوبة بالامتثال التام لما يقدم
على أنه حقيقة ، أي أن وجود الحقيقة يختفي ويذوب فيما تبقى سلطتها ، وبالتالي فإن
" لعبة الحقيقة " ليست سوى أداة الاستعراض لتسهيل وتنشيط حركة انتقال
وتبادل التمثيلات ، والقضاء على أي عوائق أو موانع تواجهها ، وهو ما يتم هنا باسم
" سلطة الحقيقة " التي تعمل على إنتاج فعل "التصديق" ، وليس
إنتاج حالة الصدق ، وكما يشير " جي ديبور" يصبح " ما هو حقيقي لحظة
من لحظات ما هو زائف " ( ف 9 ) .
ومن ناحية أخرى ، فإن خلق أو ظهور المعرفة التي سيحاول
" المثقف " نشرها وتوزيعها يتم في لحظة سابقة على العرض ، بحيث لن يتم
استحضارها أمامنا قط إلا في صورة خطاب يقدمها كحكاية ، ولا يتوقف النص كثيرا عند
مشكلة إنتاج هذه المعرفة فما يستأثر
باهتمامه ومعالجته هو مشكلة " المصادقة " عليها ، أو بالاحرى مشكلة
توزيعها ، وآلية التوزيع المقصودة هنا تتبدى بوضوح بوصفها مستعارة من عملية
التوزيع أو التسويق السلعي ، فتوزيع هذه المعرفة لا يغير من شكلها ومحتواها ، ولا
يصيبها بأي انحراف أو تشويه ، وما أن تتم عملية التوزيع حتى تنتقل المعرفة "
كما هي تماما" من شخص إلى آخر ، كما أن اللعبة هنا لا تتيح سوى بديلين فقط
هما قبول أو رفض السلعة / المعرفة ، ودون أي مواقف تتوسط بينهما .
أما المثقف / الموزع ، الممارس للعبة الحقيقة ، فهو
يواري دوره باعتباره قد تلقى تلك "المعرفة " كواقعة حسية وقام بتحويلها
إلى خطاب ، وهكذا فهو يلغي دوره كمنتج للمعرفة ، ويبرز دوره كموزع لها ، وهذا هو
الثمن الذي سيدفعه للخروج من عزلته وهامشيته .
وفي هذا الاطار سنجد المثقف يتبع بدقة قواعد وآليات
التوزيع في السوق الرأسمالي ، حيث الدعاية التسويقية لا تقدم السلعة نفسها ، بل
تقدم خطابا حولها ، مع عينة بسيطة تظهر وقت الضرورة لتختفي سريعا ، فلحظة "
اختبار الجودة" ينبغي تأخيرها قدر الامكان ، وتغليفها بأقصى قدر متاح من
الألفاظ والمفاهيم البراقة ، كما ينبغي ان يكون فعل "الإظهار" للسلعة خاطفا بحيث لا يتيح أي فرصة للتأمل ،
والنص يتواطأ مع شخصيته الرئيسية في تقصي هذه القواعد .
وقد تكون هناك مفارقة ما في أداء المثقف لعملية التوزيع
المعرفي ، فعندما سيتعين عليه أن يقدم عينة سلعته ، فإنه لا يجد ما يقدمه سوى جسده
الذي يعريه أمامنا ليظهر آثار الواقعة الحسية التي يوزع خطابها ، وهكذا فالسلعة
الموزعة هنا تأتي مدعمة بــ " أثر " (
) مادي لا يمكن توزيعه ، وإن كان المثقف سيجادل انطلاقا من لعبة الحقيقة
بأن هذا الأثر في سبيله للظهور على أجساد الجميع ، وأن ثمة عملية توزيع أخرى تجري
على قدم وساق لهذا الأثر ، والتي لا يمكن إيقافها سوى بتعجيل توزيع " المعرفة
بها " ، وانطلاقا من هذه المجموعة من الترابطات ( حسب أسطورة الحقيقة )
سيطالب المثقف بكافة حقوق المصادقة المترتبة على ذلك ، وهو لا يريد – طوال النص –
أكثر من ذلك ، أي أن تمر سلعته مثلما تمر أي سلعة أخرى عبر دورة السوق .
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا لنتأمل في نقطة إنكسار مفهوم
" الاستلاب السلعي " وكيف يخلي الميدان لتحليل " الاستعراض "
، ففيما يتقصى المثقف / الموزع ، آليات السوق وقواعد حركته ، فإنه سيبدو في الوقت
نفسه وكأنه يعمل ضد ذلك ، فهو يقدم سلعته بلا ثمن ، بوصفها هبة مجانية ، بل إن
التكلفة المطلوبة لتوزيع السلعة سيدفعها هنا الموزع نفسه ، ذلك الذي يصرح دائما ،
ويصر أحيانا ، على تقديم حياته ووجوده مقابل تمرير سلعته ، مما يعني – طبقا لتحليل
الاستلاب السلعي – أننا إزاء فعل تدميري لقيم التبادل النقدي والتثمين والتسعير ،
والتي يقوم عليها نظام السوق الاجتماعي ، وكأننا أمام محاولة راديكالية – للغاية –
لإرباك النظام ونفيه وإفقاده توازنه عبر إدخال ما يرفض هذا النظام الاعتراف بوجوده
، أي ذلك الذي لا يمكن تثمينه نقديا ، وهكذا فإن السعي إلى تعميم الاستلاب السلعي
على " المعرفة " غير القابلة للتسعير سيبدو وكأنه سيضع نهاية لهذا
الاستلاب .
ومثل هذا التحليل كان بمثابة رهان وبرنامج عمل للعديد من
حركات الاحتجاج الثقافية الحداثية ، واليت كانت تتكئ باستمرار على أن ثمة ما هو
خارج السوق ، وسيظل خارجه ، غير أن ما هو خارج السوق سيقع داخل فضاء الاستعراض
الذي سيبتلع استقلالية المعرفة والفن ، وسيلغي الدور الفاعل للمثقف ، ليس عبر
إبطاله ، بل عبر احتوائه داخل الحراك الدائم للتمثيلات .
أما فعل الهبة المجاني
، والمضاد بطبيعته لحركة السوق ، والذي اكتسب – في الفترات السابقة – سمة
الثورية ضد نظام التبادل الاقتصادي في المجتمع الرأسمالي ، هذا الفعل سيقوم
الاستعراض بتحويله إلى آلية دعاية تعمل على خلق أسواق جديدة ، أو نشر سلعة مبتكرة
، وذلك عبر توزيع عينات مجانية على المستهلكين .
وهكذا ، فإن
تحليل الاستعراض يمكننا من رصد ذلك المثقف / الموزع ، وهو يسعى إلى نهايته
، فهو قد تمكن من الاستحواذ على المعرفة بالخطر ، فقط لأنه كان هامشيا بالنسبة
للمجتمع ، وخارج هيمنة فضاء الاستعراض إلى حد ما ، إلا أن سعيه إلى الدخول في هذا
الفضاء ، ومطالبته بحصته ، وأحقيته في تمرير التمثيلات أو توزيعها ، باعتباره يجيد
مناورات " لعبة الحقيقة " التي سبق للإستعراض أن استولى لنفسه على
وجودها ووظيفتها ، مما يعني – في النهاية – أن المثقف قد اصبح في خدمة "
الاستعراض " .
وما يرصده النص عبر هذه التيمة التي حللناها هنا ، هو
اللحظة السابقة مباشرة على نهاية دور المثقف ، ذلك الدور الذي أسسته أساطير
الحداثة ، بوصفه مؤسسا للمعرفة الناقدة ، ولفعل التغيير ، وبوصفه " رائيا
" للمستقبل أو مبشرا به ، لينحط إلى مجرد منصة لتمرير وتسريع حركة التمثيلات
( أيا كان محتواها ) داخل فضاء الاستعراض .
والمفارقة المؤسية هنا – على الأقل بالنسبة للبعض – أن
موت المثقف ليس نتاجا لتحول خارجي مفاجئ ، بل نتاجا لحركته هو ذاتها .
عبد الناصر حنفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق