الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

آلية الاستعراض ، ونهاية دور المثقف الحداثي قراءة في نص " العدو في غرف النوم"

منذ اللحظة الأولى يبدأ نص " العدو في غرف النوم " في رصد حالة التشيؤ والاستلاب والتسليع التي أصبح المجتمع عليها ، فدينا طبيب وزوجته يقودان مظاهرة ( هما كل أعضائها ) ضد مدير أحد أندية الفيديو ( والذي لن نراه قط ) وذلك لأنهما لم يحصلا على " رعب حقيقي" عند مشاهدة ما يفترض أنه " فيلم رعب " .
وهنا لم يعد الرعب ، أو الذعر والخوف والهلع ، بمثابة تلك القوى الاحتياطية للوجود الإنساني ، والتي تعمل على تفجير إنخطاف آسر في مواجهة العالم ، بحيث يقع الإنسان بكامل حضوره تحت ضغط  لحظة خطر ، يجري خلالها  إطلاق طاقات الفعل المصحوبة بانشداد خارق إلى الذات والذي قد يصل أحيانا إلى حالة من العنف المدمر ، والتي إما أن تبتعد بالإنسان عن مصدر الخطر ، أو تلقى به في قلبه تماما .
وعلى هذا النحو يفقد الرعب خصيصته الوظيفية ، بوصفه ضمانة بدائية  في مواجهة الحياة ، ومخزونا للقدرة على الفعل ، ويصبح مجرد سلعة يمكن تقديرها بالنقود حسب قيم التبادل السائدة ، وبالتالي فمن حق المستهلك أن يقاتل في سبيل الحصول على رعب " يساوي ما دفعه من ثمن ، ولكن بالمقابل فإن هذا الاستلاب السلعي  لتلك القوى الأكثر غريزية في النفس البشرية يعني أننا قد أصبحنا دون قدرة على قراءة أو استشعار الخطر ، ناهيك عن مواجهته ، وأن ثمة مسافة هائلة تتخلق عبر آليات المجتمع لتفصلنا عن قوى الحياة وعن العالم ، وعن إمكانية الإدراك والمعرفة والفعل في الواقع .
وما أن يسجل النص إلتفاته إلى هذه المسافة الغامضة وغير الملحوظة ، حتى يموقع نفسه داخلها ، ويقود أحداثه عبرها وصولا إلى المشهد الختامي .


وعبر المسار الذي سيقطعه النص داخل تلك المسافة ، والذي يراهن على وضعنا في حالة من الرعب ، أو بالا حرى ، حالة من الرعب الناجم عن الوعي بافتقاد القدرة على الشعور بالرعب ، أو على الإحساس بالخطر ، عبر هذا المسار إذا  سيتم استحضار العديد من التيمات والقضايا ، بدء من إشكالية حضور  الدولة  ومؤسساتها ، ونهاية بمحاولة شكلنة مصدر التهديد بالخطر وهوية العدو .. الخ .
ولن نهتم هنا سوى بمعالجة تيمة فرعية واحدة من تيمات النص ، وهي دور المثقف ، هذا فيما يتعلق بالموضوع ، أما عن منهج التحليل فإن مفهوم الاستلاب السلعي  ، الذي بدأنا به ، قد يكون أقل مما ينبغي في كفاءته النظرية بحيث لا يتيح لنا أداء مهمتنا ، ولذلك فسأبدأ باستعادة بعض الأفكار حول مفهوم الاستعراض (   ) .
إن " الاستعراض " هو بالمقام الأول آلية معرفية ( أو ابستمولوجية ) تقوم على الحركة الدائمة والمستمرة من تمثيل (  ) إلى آخر ، على نحو لا يهتم كثيرا بالواقع كما هو ، ولا يفضي إليه ، وفي مجال الظاهرة الاجتماعية ، ينتج الاستعراض علاقات اجتماعية بين الاشخاص تتوسط فيها التمثيلات ، ومن ناحية أخرى فإن هذه التمثيلات التي يتم انتاجها وتبادلها في كافة مجالات الحياة والممارسات الاجتماعية ، هذه التمثيلات " تندمج ضمن تيار مشترك لا يعود ممكنا فيه استعادة وحدة هذه الحياة من جديد " ، وهكذا فالاستعراض يتغلغل في كافة علاقات الأشخاص فيما بينهم ، وفي علاقتهم مع الحياة والظاهرة الاجتماعية .

إن النص يبدأ من تسجيل  - قد يبدو عابرا – لاختفاء العلاقة مع الواقع على المستوى الغريزي ، واستبدالها بالعلاقة مع الصور ، ثم يقوم باستدعاء أحد مثقفي الطبقة الوسطى بوصفه " رائيا" أي ذلك الذي يرى وينذر ويحذر من خطر واقع بالفعل ، وهنا ينفتح النص تجاه ما يمكننا تسميته بـ "لعبة الحقيقة"  والتي ستقود الجدل بشأن رؤيا ذلك المثقف وصولا إلى المشهد الختامي الذي يوحي بأن الخطر قد داهم الجميع وانتهى الأمر .
ويقدم النص شخصيته الرئيسية " عاصم أيوب" في صورة المثقف الحداثي الذي يمتلك – ربما بمحض الصدفة – معرفة لا يمكن تصديقها ، وهذا المثقف الهامشي المزاح عن وجوده الاجتماعي سيبدو وكأنه يتحرك ضد المجتمع في لحظة يأس قاهر ، ولكنه – إذا ما تمعنا قليلا – لا يطالب إلا بالاعتراف بوجوده حتى لو تطلب الأمر التضحية بنفسه ، كما يطالب بالاعتراف بالمعرفة التي لا يملكها وحده ( فهناك العديد من الأشخاص الذين يفترض أنهم شاهدوا ما رآه ، وكابدوه مثله) ولكنه الوحيد القادر على توزيعها .
وفيما يلمح العرض إلى أن ذلك المثقف لا زال يمتلك القدرة على الإحساس بالخطر ، أي القدرة على إقامة علاقة مع الواقع العياني الأصيل ، إلا أن هذه النقطة تظل معلقة دون تطوير بحيث سينصرف مسار الأحداث إلى تقديم " لعبة الحقيقة " .
وبصفة عامة ، فإن لعبة الحقيقة تقوم تقليديا على أسطورة وجود ترابط كنائي  - لا ينفصم قط -  بين الخطاب والواقع ، بحيث يؤدي كل منهما إلى الآخر مباشرة ، بمعنى أن تمثل الواقع سيفضي مباشرة إلى إنتاج خطاب معين ، بينما مجرد إرسال واستقبال هذا الخطاب سيفضي بدوره إلى إعادة تجلي الواقع الذي أنتجه ، وبالطبع فمع هيمنة آلية الاستعراض فإن هذه الصلة تنفصم ، فالخطاب أو التمثيلات المعرفية لا تفضي إلا إلى تمثيلات أخرى ، بحيث لا تستقر قط عند "واقع عياني ".
إلا أن الاستعراض يستبقي من أسطورة الحقيقة جانبها " الحقوقي " الضاغط والمطالب بالمصادقة المصحوبة بالامتثال التام لما يقدم على أنه حقيقة ، أي أن وجود الحقيقة يختفي ويذوب فيما تبقى سلطتها ، وبالتالي فإن " لعبة الحقيقة " ليست سوى أداة الاستعراض لتسهيل وتنشيط حركة انتقال وتبادل التمثيلات ، والقضاء على أي عوائق أو موانع تواجهها ، وهو ما يتم هنا باسم " سلطة الحقيقة " التي تعمل على إنتاج فعل "التصديق" ، وليس إنتاج حالة الصدق ، وكما يشير " جي ديبور" يصبح " ما هو حقيقي لحظة من لحظات ما هو زائف " ( ف 9 ) .
ومن ناحية أخرى ، فإن خلق أو ظهور المعرفة التي سيحاول " المثقف " نشرها وتوزيعها يتم في لحظة سابقة على العرض ، بحيث لن يتم استحضارها أمامنا قط إلا في صورة خطاب يقدمها كحكاية ، ولا يتوقف النص كثيرا عند مشكلة إنتاج هذه المعرفة  فما يستأثر باهتمامه ومعالجته هو مشكلة " المصادقة " عليها ، أو بالاحرى مشكلة توزيعها ، وآلية التوزيع المقصودة هنا تتبدى بوضوح بوصفها مستعارة من عملية التوزيع أو التسويق السلعي ، فتوزيع هذه المعرفة لا يغير من شكلها ومحتواها ، ولا يصيبها بأي انحراف أو تشويه ، وما أن تتم عملية التوزيع حتى تنتقل المعرفة " كما هي تماما" من شخص إلى آخر ، كما أن اللعبة هنا لا تتيح سوى بديلين فقط هما قبول أو رفض السلعة / المعرفة ، ودون أي مواقف تتوسط بينهما .
أما المثقف / الموزع ، الممارس للعبة الحقيقة ، فهو يواري دوره باعتباره قد تلقى تلك "المعرفة " كواقعة حسية وقام بتحويلها إلى خطاب ، وهكذا فهو يلغي دوره كمنتج للمعرفة ، ويبرز دوره كموزع لها ، وهذا هو الثمن الذي سيدفعه للخروج من عزلته وهامشيته .
وفي هذا الاطار سنجد المثقف يتبع بدقة قواعد وآليات التوزيع في السوق الرأسمالي ، حيث الدعاية التسويقية لا تقدم السلعة نفسها ، بل تقدم خطابا حولها ، مع عينة بسيطة تظهر وقت الضرورة لتختفي سريعا ، فلحظة " اختبار الجودة" ينبغي تأخيرها قدر الامكان ، وتغليفها بأقصى قدر متاح من الألفاظ والمفاهيم البراقة ، كما ينبغي ان يكون فعل "الإظهار"  للسلعة خاطفا بحيث لا يتيح أي فرصة للتأمل ، والنص يتواطأ مع شخصيته الرئيسية في تقصي هذه القواعد .
وقد تكون هناك مفارقة ما في أداء المثقف لعملية التوزيع المعرفي ، فعندما سيتعين عليه أن يقدم عينة سلعته ، فإنه لا يجد ما يقدمه سوى جسده الذي يعريه أمامنا ليظهر آثار الواقعة الحسية التي يوزع خطابها ، وهكذا فالسلعة الموزعة هنا تأتي مدعمة بــ " أثر " (  ) مادي لا يمكن توزيعه ، وإن كان المثقف سيجادل انطلاقا من لعبة الحقيقة بأن هذا الأثر في سبيله للظهور على أجساد الجميع ، وأن ثمة عملية توزيع أخرى تجري على قدم وساق لهذا الأثر ، والتي لا يمكن إيقافها سوى بتعجيل توزيع " المعرفة بها " ، وانطلاقا من هذه المجموعة من الترابطات ( حسب أسطورة الحقيقة ) سيطالب المثقف بكافة حقوق المصادقة المترتبة على ذلك ، وهو لا يريد – طوال النص – أكثر من ذلك ، أي أن تمر سلعته مثلما تمر أي سلعة أخرى عبر دورة السوق .
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا لنتأمل في نقطة إنكسار مفهوم " الاستلاب السلعي " وكيف يخلي الميدان لتحليل " الاستعراض " ، ففيما يتقصى المثقف / الموزع ، آليات السوق وقواعد حركته ، فإنه سيبدو في الوقت نفسه وكأنه يعمل ضد ذلك ، فهو يقدم سلعته بلا ثمن ، بوصفها هبة مجانية ، بل إن التكلفة المطلوبة لتوزيع السلعة سيدفعها هنا الموزع نفسه ، ذلك الذي يصرح دائما ، ويصر أحيانا ، على تقديم حياته ووجوده مقابل تمرير سلعته ، مما يعني – طبقا لتحليل الاستلاب السلعي – أننا إزاء فعل تدميري لقيم التبادل النقدي والتثمين والتسعير ، والتي يقوم عليها نظام السوق الاجتماعي ، وكأننا أمام محاولة راديكالية – للغاية – لإرباك النظام ونفيه وإفقاده توازنه عبر إدخال ما يرفض هذا النظام الاعتراف بوجوده ، أي ذلك الذي لا يمكن تثمينه نقديا ، وهكذا فإن السعي إلى تعميم الاستلاب السلعي على " المعرفة " غير القابلة للتسعير سيبدو وكأنه سيضع نهاية لهذا الاستلاب .
ومثل هذا التحليل كان بمثابة رهان وبرنامج عمل للعديد من حركات الاحتجاج الثقافية الحداثية ، واليت كانت تتكئ باستمرار على أن ثمة ما هو خارج السوق ، وسيظل خارجه ، غير أن ما هو خارج السوق سيقع داخل فضاء الاستعراض الذي سيبتلع استقلالية المعرفة والفن ، وسيلغي الدور الفاعل للمثقف ، ليس عبر إبطاله ، بل عبر احتوائه داخل الحراك الدائم للتمثيلات .
أما فعل الهبة المجاني  ، والمضاد بطبيعته لحركة السوق ، والذي اكتسب – في الفترات السابقة – سمة الثورية ضد نظام التبادل الاقتصادي في المجتمع الرأسمالي ، هذا الفعل سيقوم الاستعراض بتحويله إلى آلية دعاية تعمل على خلق أسواق جديدة ، أو نشر سلعة مبتكرة ، وذلك عبر توزيع عينات مجانية على المستهلكين .
وهكذا ، فإن  تحليل الاستعراض يمكننا من رصد ذلك المثقف / الموزع ، وهو يسعى إلى نهايته ، فهو قد تمكن من الاستحواذ على المعرفة بالخطر ، فقط لأنه كان هامشيا بالنسبة للمجتمع ، وخارج هيمنة فضاء الاستعراض إلى حد ما ، إلا أن سعيه إلى الدخول في هذا الفضاء ، ومطالبته بحصته ، وأحقيته في تمرير التمثيلات أو توزيعها ، باعتباره يجيد مناورات " لعبة الحقيقة " التي سبق للإستعراض أن استولى لنفسه على وجودها ووظيفتها ، مما يعني – في النهاية – أن المثقف قد اصبح في خدمة " الاستعراض " .
وما يرصده النص عبر هذه التيمة التي حللناها هنا ، هو اللحظة السابقة مباشرة على نهاية دور المثقف ، ذلك الدور الذي أسسته أساطير الحداثة ، بوصفه مؤسسا للمعرفة الناقدة ، ولفعل التغيير ، وبوصفه " رائيا " للمستقبل أو مبشرا به ، لينحط إلى مجرد منصة لتمرير وتسريع حركة التمثيلات ( أيا كان محتواها ) داخل فضاء الاستعراض .

والمفارقة المؤسية هنا – على الأقل بالنسبة للبعض – أن موت المثقف ليس نتاجا لتحول خارجي مفاجئ ، بل نتاجا لحركته هو ذاتها .

عبد الناصر حنفي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق