الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

" طبول فاوست " وتجاوز لعبة المسرح الصوتي



بغض النظر عما إذا كنا نقبل أو نرفض منهج " انتصار عبد الفتاح" في بناء عروضه ، فمما لاشك فيه أنه يشق لنفسه طريقا غير تقليدي لا تتحدد مساراته بالكلمة أو بالحدث أو حتى بارتعاشات عضلات وجه الممثل ،  بل تعمل دائما على تحطيم هيمنة هذه العناصر التي لا يتصور البعض أن المسرح يمكن أن يوجد بدونها ، ورغم ذلك ، فمع عرض " طبول فاوست" سيبدو وكأن انتصار قد غامر بالتحرك بعيدا إلى حد ما عن هذا المنهج الذي بلغ نضجه مع عرض "مخدة الكحل" وارتد نحو حالة من التعايش المسالم وغير المتمرد مع عملية توليد المعنى عبر الجمل الحوارية المطولة التي يتراشق بها الممثلون وقد قطبوا جباههم وبثوا بعض الرجفة في حناجرهم ، وهو ما استولى على أغلب زمن العرض .

اللعبة الجمالية للحداثة :
ولانجاز هذه المهمة فإن علينا وصف اللعبة الجمالية العامة للحداثة والتي تتمحور حول الرهان على التوغل عند حواف الأشكال الجمالية ، حيث المناطق المعتمة وغير المكتشفة والتي تختفي عندها الصلات الواضحة والمعتادة بين مكونات العمل ، وتتباعد المسافات بينها ، وهذا الرهان يولد " دعوة" للمتلقي إلى استجلاب التأويلات المرهفة والمتعددة والمتكاثرة على نحو لا يمكن استنفاده ، أما القاعدة الأخيرة للعبة ، والتي توجد خارج العمل تماما ، فهي تلك الرغبة العامة التي تفترض الحداثة أنها تحكم مناخ التلقي ، والتي ترى أن المعنى الحقيقي لا يمكن اكتشافه على مستوى العلاقات الرئيسية الواضحة للعمل ، بل ينبغي علينا التسرب إلى شقوقه ودقائقه .
ويكتمل ظهور اللعبة بشروطها ، أو قواعدها الثلاث إذا ما توافرت حالة مرتفعة من الإثارة الجمالية التي تحفز أو تنشط العلاقة بين كل من الرهان ، والدعوة ، والرغبة ، وبالطبع فإن طبيعة اللعبة لا تتغير أيا كان العنصر أو التقنية التي تقوم بالدور الرئيسي في تفجير تلك الحالة.

لعبة المسرح الصوتي :
وضمن الأطر العامة للعبة الحداثة المذكورة ، فإن منهج " انتصار" ، والذي يطلق عليه " المسرح الصوتي " ، يعتمد بالدرجة الأولى على التباينات الصوتية ( الإيقاعات – الآلات الموسيقية-  الحنجرة البشرية ) إلا أن الصوت ، كعنصر جمالي ، وبكل ثرائه الحسي ، يظل غير قادر على دعوة ، أو استجلاب النشاط التأويلي ، ويبقى متموجا عند حافة " التمثيل " (  ) ، حيث يمكنه أن يضفي شعورا ما ولكن دون بناء تمثيلات ، ولذلك فإن استكمال قواعد لعبة المسرح الصوتي ( الذي يعتمد عادة على تيمات بسيطة ) يقوم على تنظيم هندسي صارم للفضاء المسرحي وحركة المؤدين ، بحيث يتطور العرض عبر ذلك الظهور البطيء والمتوالي لأشكال مثل الخط المستقيم الذي يظهر غالبا في منتصف مساحة الفعل المسرحي ، أو الخطوط المتقابلة على جانبيها ، وكذلك المثلثات ، وهي كلها أشكال تطرح نفسها كإحدى ذرى الفعل المسرحي ، بحيث أنها بتكرارها الدائم عبر مسار العرض ستدشن ظهور مجموعة هائلة من الأوضاع والحالات ، على نحو تبدو معه العلاقات الأولية والبسيطة التي تتكون منها تيمة العرض وكأنها مجرد سطح رقيق يدعونا لتجاهله واختراقه للخوض في هذا المدى الواسع واللانهائي  لتلك العلاقات ( الهندسية ) الدقيقة والمرهفة والتي لا يمكن استنفاد امكانياتها الدلالية . وهو ما سينتج عنه مفارقة تثير العديد من المواقف المتناقضة تجاه لعبة المسرح الصوتي ، فمن ناحية هناك محدودية في الخيال المسرحي الذي يتحرك هنا في مناطق ضيقة للغاية بينما من ناحية أخرى لا يمكن إنكار حالة الثراء الدلالي الناشئة عن انقسام هذه المناطق الضئيلة إلى كثرة من العلاقات الدقيقة وفيما تشكل هذه المفارقة خصوصية تجربة المسرح الصوتي ، فإنها في الوقت نفسه تمثل حدوده التي لا يمكن تجاوزها دون العديد من التضحيات والخسائر .

تجاوز حدود لعبة المسرح الصوتي :
وبرغم أن " طبول فاوست " تظل وفية لمعظم قواعد لعبة المسرح الصوتي إلا أن اللعبة هنا تبقى في حالة نشاط خافت نتيجة محاولة تحميلها بما يتجاوز طاقتها ، فقد انساق العرض إلى الاحتفاظ بالثراء الميتافيزيقي للتيمة الفاوستية القائمة على تلك الرغبة العارمة في امتلاك العالم وتنظيمه، والتي تتجلى عبر خيارات - شيطانية - تتقلب باستمرار في حركة عنيفة ، وهو ما يبدو أنه مثل إغراءا فكريا لا يقاوم للمخرج ، بحيث لم يعمد إلى تبسيط علاقات هذه التيمة كما يقتضي منهجه ، كما لم يحاول تذويب هذه العلاقات بالكامل عبر التنظيم الهندسي للفضاء المسرحي ، بل فضل أن يتبدى الجزء الأساسي من هذه العلاقات عبر الجمل الحوارية المطولة التي جاءت في أداء تقليدي لم يعد قادرا على تحقيق أي إثارة جمالية مهما كانت قدرات الممثلين ، ومن جهة أخرى فإن هذه الفواصل الحوارية كانت تبدد الأثر الجمالي المنعش الذي تحدثه الفواصل الصوتية والموسيقية .
إن تطوير إمكانيات لعبة المسرح الصوتي هو بالتأكيد أمر يمكن أن يتمخض عن مغامرات جمالية واعدة ، إلا أنه يبدو أن مثل هذا التطوير  يتطلب جهدا أكثر مما بذل في عرض " طبول فاوست" .


 عبد الناصر حنفي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق