بديلا عن عنف تفجير القواعد والتركيبات المتزايدة
التعقيد ، والتمرد اللامحدود الذي خاضته مرحلة الحداثة العليا ( والتي استمرت حتى
عشرينيات هذا القرن ) فإن مرحلة الحداثة المتأخرة ( التي بلغت أوج ذروتها مع ثورة
الستينات ) تضع رهانها بالكامل في زخرفة الشكال الجمالية المستقرة والكشف عن آفاق
جديدة للتجربة الفنية ، عبر عملية حذف هائلة لكل ما يمكن التخلي عنه من علاقات أو
تقنيات أو عناصر أو مكونات مهما بدت أساسية أو ذات سطوة لا تقاوم .
وفي هذا الإطار يأتي العرض الهولندي " الجوهر
" ( بغض النظر عن الدلالات المباشرة
لعنوان ) بوصفه أحد تبديات ذلك الرهان المذكور للحداثة المتأخرة ، إذ تقوم
استراتيجيته الأساسية على حذف العديد من عنناصر التجربة المسرحية ، التمثيل ،
الديكور ، الموسيقى ، الصوت ، الإضاءة ، وإخلاء الفضاء المسرحي تماما لحركة جسد
فتاتين أو ثلاثة دون اللجوء إلى استثمار جماليات أي من العناصر الأخرى والتي عادة
ما تعمل في التجارب المشابهة كوسط بروتوبلازمي يتغذى عليه الحضور الجسدي ليوسع من
مدى انتشاره ويؤكد هيمنته على الفضاء المسرحي .
ومع بداية العرض سيبدو أمامنا جسدان يستهلان تحركا بطيئا
وناعما وكأنهما مجرد نقطتين تتدحرجان بلا هدف في ذلك الخلاء الرهيب لساحة المسرح
المكشوف بالأوبرا ، والذي لا يستطيع حجز أبصارنا من التجول خارجه ولا حجز الضوضاء
التي تعبره بلا انقطاع ، وهو ما أسبغ على المشهد الافتتاحي مظهرا مثيرا للشفقة
تجاه ذلك الفقر الحسي المبالغ فيه ، وتلك الضآلة في التنوع ، والانحصار في مساحة
جمالية ضيقة والناتج عن الخضوع البائس لرهان مندحر فقد زخمه وحيويته .
أما مع نهاية العرض الذي استطاع الحفاظ على تركيز
وانتباه عدد كبير للغاية من المشاهدين القلقين بمداومة الركض بين العروض المختلفة
، فقد انقلب الحال تماما وبدا أن العرض قد نجح في أن يحقق لنا حالة من الانخطاف
شبه الصوفي عبر ذلك الإلحاح الشديد النعومة في دفعنا إلى الانصات للأنين الصامت
للجسد وهو إلحاح والى التزايد ببطء إلى أن استغرقنا تماما وبدأ يقود تأملاتنا بعد
أن استحوذ على حواسنا .
وبغض النظر عن الرهان الحداثي للعرض فإن نجاحه المباغت
قد تأتى من عاملين ، أولهما عام ، ويتمثل في انشغاله المهموم بالعمل على تحقيق
واحدة من أخطر المهام التي بدأتها الحداثة في مجال المسرح وبقيت غير مكتملة
الانجاز ، أي تطوير طرائق التعبير الجسدي ، وهي واحدة من المهام القليلة التي تمثل
منطقة تقاطع في اهتمامات الحداثة وما بعدها . أما العامل الثاني فهو خاص بالعرض
فسه ، ويتمثل في ذلك الاستخدام الفائق الحساسية لجماليات السامي ( ) .
ويرتبط اشتغال آلية السامي بعملية تجاوز أو اختراق الحد
بوصفه الغشاء النهائي لطوبوغرافية أي
تكوين مثل المفهوم المعرفي ، او التقنية الجمالية ، أو الشكل الفني .. الخ ، وما
هو خارج الحد ليس سوى المجهول الذي لا
يمكن تمثيله ( ) بحيث أن مواجهته ستثير
الشعور بالرهبة أو الخوف أو الضياع أمام ذلك اللانهائي وغير المحدود والذي لا يمكن
تمييزه ، وهذا الوصف العام لحالة السامي الذي أسسه المفكر اللاتيني القديم "
دي كوينتان " قد ظل سائدا إلى أن كشف كانط عن الأساس الابستمولوجي لظهور
السامي وإمكانياته الجمالية الهائلة ، بوصفه يحرر المخيلة من قبضة المفاهيم ويفتح
الباب لتدفق غزير لما هو حسي ، ثم يتيح – في خطوة تالية وعكسية – النظر إلى الحد
من الخارج ، مما يتيح إزاحته بوصفه نهاية الوجود ، وضمه في ترابطات جديدة مع حدود
أخرى وذلك على نحو يسمح بظهور عوالم ورؤى مبتكرة .
وباختصار شديد – أرجو ألا يكون مخلا – فإن أوضاع الجسد
في العرض ستشي دائما بتعرضه لضغط يأتيه من الخارج ، وكأنما يمر باستمرار عبر مجال
قوى تتباين شدته عند مختلف أطرافه ومناطق امتداداته ، بحيث ستبدو دائما توترات
الجسد وكأنها مجرد استجابة ضعيفة المقاومة لذلك المجال الخارجي الغامض واللامحدود
، ومع تقدم مسار العرض مرورا بتيمات وحالات بسيطة وعامة مثل الصراع والقهر
والانسحاق والابتهال والضراعة والصداقة والموت ..الخ . سيبدو وكأن مجال القوى الذي
يحيط بالجسد يتمدد عبر ذلك التقلب البطيء لظهور واختفاء التيمات ليلتهم الفراغ
الصامت المحيط بساحة العرض خالقا حالة من الوجود الحسي الكثيف والتي نشطت لفضاء
خحاص محفز للتأمل الحميم مع العرض .
عبد الناصر حنفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق