منذ سنوات تعيش الثقافة المصرية بكافة مجالاتها حالة
يمكننا تسميتها بــ " حفل استقبال ما بعد الحداثة " فعبر خطوات بطيئة
بقدر ما هي حاسمة ، بدأت ظاهرة ما بعد الحداثة تستقطب الاتجاهات المتمردة خاصة في
ميادين الممارسات الجمالية ، كما أنها من جهة أخرى باتت تستخدم بوصفها لوحة تنشين
للعديد من المذاهب ذات الطابع السياسي والتي ترصدها بوصفها " ما لسنا عليه
" و" ما لا ينبغي أن نكونه " ، وفي كل الأحوال ستبدو هذه الظاهرة
وكأنها قد اقتنصت لنفسها سلطة تمثيل العالم في لحظته الراهنة ، بحيث أن انصرافنا
إلى استخدام هذه السلطة أو مقاومتها لا يسفر عادة إلا عن المزيد من تأكيد وجودها
وهيمنتها ، والمزيد من تسربها إلى واقعنا وحياتنا وأفكارنا ، على نحو يحجب عنا
إمكانية تحليلها ورصدها بوصفها أكثر الظواهر الانسانية غموضا وتعددا على مستوى
المفاهيم والاشكال الجمالية والمنطلقات النظرية .
وربما تأخرت بداية وقائع " حفل استقبال ما بعد
الحداثة" في المسرح المصري ( على الأقل مقارنة بالأدب والنقد ) ، ولكنها تسير حاليا على قدم وساق في
خطوات لم يتخلف عنها مسرح " الثقافة الجماهيرية " برغم أنه قد يكون أكثر
ميلا – بحكم تركيبه – إلى الصيغ المسرحية التقليدية المضمونة ، ففضلا عن العديد من
عروض هواة نوادي المسرح فإن المواسم الأخيرة ل تخلو من عرض يقيم حوارا ما مع هذه
الظاهرة ، مثل عرض "المزاد " لشريف صلاح الدين ( بيت ثقافة
السنبلاوين موسم 98 ) ، وعرض "
الفاشوش " لعبد الستار الخضري ( قومية السويس موسم 99 ) وصولا إلى عرض "
نص الليل " لأحمد طه " ( قومية الجيزة 2001 ) ، وأعتقد أن هذه القائمة
مرشحة للتزايد عبر المواسم القادمة ، وهو الأمر الذي يجعل لزاما علينا أن نتناول
هذه الظاهرة وعروضها على نحو أكثر جدية .
وقراءتنا لعض " نص الليل " تنطلق من أن تيمة
العرض الأساسية هي الهيمنة النهائية لفضاء الاستعراض " وعبر هذا المدخل سنذهب
إلى رصد وضعية " موت الذات " بوصفه أحد التيمات الفرعية للعرض ، وليس
بوسعنا إلا أن نأمل في أن تضييق مساحة التحليل على هذا النحو قد يفضي إلى رصد أكثر
دقة .
ومفهوم "الاستعراض" ( ) هو أحد التحليلات الأولي - والأكثر تحديدا – لظاهرة ما بعد الحداثة،
والتي ترصد أيضا آلية الانتقال إليها عبر ظاهرة الحداثة ، وقد أسس هذا المفهوم
المفكر الفرنسي " جي ديبور" في كتابه " مجتمع الاستعراض "
والذي صدر عام 1967 .
ويري ديبور "أن الاستعراض مأخوذا بمعناه الضيق يعني
هيمنة وسائل الاتصال الجماهيرية التي هي تبديه السطحي الأشد بريقا " ( فقرة
24 ) ، أما من وجهة نظر أكثر شمولا فإن الاستعراض ينشأ عندما نصبح إزاء حركة تباعد
للواقع على نحو يؤدي إلى اختفائه " حيث كل ما كان يعاش على نحو مباشر يتباعد
متحولا إلى تمثيل " ( ف 1 ) وبالتالي يتم استبدال " العالم المحسوس
بمقتطف من الصور التي توجد فوقه ، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع
" ( ف 36 ) .
ولمزيد من الوعي بهذا المفهوم ، ينبغي التوقف قليلا عند
مصطلح " التمثيل" ( ) ، والذي
افضل ترجمته بإعادة التمثل ، حيث البادئة
( ) تعني إعادة ، ولفظة ( ) تعني تمثل ، وبحكم طبيعته ، يأتي "
التمثل " مرتبطا بالخبرة العيانية المباشرة بالواقع والعالم والتي تعيشها
الذات العارفة ، بحيث تصبح هذه الخبرة المتمثلة والمحسوسة هي أساس تشكيل الفضاء
المعرفي للذات ، والميدان الذي تنشط فيه حركة "إعادة التمثل" التي تسهم
في انتاج المزيد من الترابطات المعرفية الأكثر تعقيدا .
ومع ظهور حالة الاستعراض الناتجة عن هيمنة وسائل الاتصال
وتكثيف التبادل المعرفي ( على نحو غير مسبوق تاريخيا ) ، والتي تقوم أساسا على
إنتقال التمثيلات بين الأفراد ، بحيث يطغي على الفضاء المعرفي وجود وحركة تلك
التمثيلات ، والتي تزيح جانبا " التمثلات " أو الخبرة العيانية المباشرة
لتصبح حركة الاستحضار أو الاستعادة قائمة أساسا على تحريك مخزون " التمثيلات
" ، وعلى إجراء الترابطات بينها ، وبالتالي لا تصبح الآلية المعرفية الرئيسية
هي "إعادة التمثل" أو التمثيل ، بل تصبح هذه الآلية هي " إعادة –إعادة
التمثل " ، أو" إعادة التمثيل " .
وعبر هذه النقلة الحاسمة على المستوى الابستمولوجي ،
يشحب حضور الواقع ، وتخفت العلاقة به ، وتبدأ التكوينات القائمة على أساسه ( مثل
الذات ، المعنى ، الحقيقة ) في التضاؤل والانكماش ، بحيث أن حركة الاستعادة
المركبة هنا تنتج ما يسميه "ميرلوبونتي " " الماضي الذي لم يكن
حاضرا قط في أي لحظة سابقة " ، وعلى هذا النحو يظهر الاستعراض – كما يقول
ديبور ، بوصفه " لحظة تاريخية مجمدة تتكرر بلا نهاية" فالتمثيلات وترابطاتها تتجدد باستمرار ، ولكن
الآلية العامة للحركة تظل كما هي .
ومفهوم الاستعراض ، كما هو مطروح هنا ، يشكل المهاد
الأساسي لمعظم تحليلات ومفاهيم " مابعد الحداثة " التي يمكننا تعريفها
بوصفها مرحلة في حياة الاستعراض ، يعي فيها نفسه ، ويدرك أ،ه بلا بديل ينازعه وجوده
وهيمنته .
وفي هذا الاطار تنشأ الوضعية التي نطلق عليها " موت
الذات " والتي تتحول هنا إلى مجرد وعاء تمرق عبره التمثيلات ، وكما ينطمر
الواقع تحت ركامها ستنطمر الذات أيضا ، وذلك يتم على نحو لا يتيح إمكانية إستعادة
وجودهما مرة أخرى ، مهما بذلنا من جهد ، لأنه ما دمنا سنبدأ هذا الجهد انطلاقا
من التثيلات فإن المحصلة النهائية لأي
حرجة ممكنة هي مجرد الانتقال إلى تمثيلات أخرى .
ونستطيع رصد تبدي " هيمنة فضاء الاستعراض "
بوصفه القيمة الأساسية ف يالعرض ، عبر تقسيمه إلى ثلاث وحدات سردية كبرى ، ورصد
المسار الذي يجمع بينها .
1- في الوحدة الأولى : نحن أمام أعضاء فرقة مسرحية
يتسربون إلى الخشبة تحت دعوى الاحتفال برأس السنة في بار مهجور ، مع التلويح
المستمر بحدث ما منتظر سيتم استحضاره عبر تكشف بطيء ومتقطع لحكاية البار والفارس
والحصان .
2- وفي الوحدة الثانية سيتم استعادة رحلة الفارس والحصان
، والتي تنتهي باعلان غرق الفارس في العالم / المستنقع ، وقرار الحصان بأن يقتل
نفسه .
3- أما في الحدة الثالثة ، وهي الأقصر ، فثمة تلويح –
مرة أخرى – بمسرحية سيقوم مخخرج الفرقة بكتابتها ( هي نفسها ما شاهدناه في الوحدة
الثانية ) . ومع التهليل للمسرح يبدأ أعضاء الفرقة قي الانسحاب على دفعات لتخلو
الخشبة وينتهي العرض .
وهكذا فنحن إزاء مسار يبدأ من انتظار الحكاية التي سيمرق
عبرها ، ثم يتوقف مرة أخرى عند حالة انتظار عودتها وتكرارها غير المحدود ،
والحكاية – بصفة عامة – هي كتلة من التمثيلات ، وباعتبارها كذلك ، فهي ساحة ظهور
الاستعراض ، وميدان هيمنته ، وأداة عمله .
والعرض طوال الوقت لا يقدم تمثيلا لواقع ، بل يقدم تمثيلا لتمثيل ، أو يسرد حكاية
الحكاية ، وعبر مسار وحدات العرض ، فإننا لن نلمس وجود لحظة ذروة لا يتم تجاوزها
ببساطة ، وليس ثمة نقطة نهاية نصل عندها إلى الحث على فعل التغيير أو حتى الرفض ،
وكل المشاهد والأحداث التي يمكن قراءتها على هذا النحو يتم عبورها ببساطة إلى ما
يليها ، ومصائر وتكوين الشخصيات لا تتبدل من حال إلى حال ، فذلك لا يتم إلا في
نطاق استعادة الحكاية في الوحدة الثانية ، أي استعادة أحداث قد وقعت سلفا وانتهت ،
وتلك الاستعادة لن تؤثر قط في أعضاء الفرقة المسرحية الذين يبدأ العرض وينتهي بهم
.
وبالتالي فمسار العرض لا يهتم إلا باستعادة الحكاية ،
والتأكيد – فقط – على إمكانية تكرارها ، مع تجاهل أي تأكيد على معنى أو موقف ما
يمثل نقطة وصول أو نهاية ، فليس ثمة رسالة ، ولسنا أما أي شيء سوى "
الاستعراض " وهو يؤكد هيمنته وقدرته على سلب مجال الحضور والفعل بأكمله ،
وضرورة تكرار ذلك إلى ما لا نهاية .
ومن داخل هذه التيمة الرئيسية يمكننا الانتقال إلى رصد
أنماط حضور ، وبالتالي موت ( أو اختفاء ) الذات .
ولنبدأ برصد أسماء أعضاء الفرقة المسرحية ، والتي تبدأ
جميعها بلفظة " عين " ، والعين أداة حس لا تنشط إلا بما هو خارجها ، أي
أنها في حالة تخارج مستمر ، وهاذ هو شرط وجودها الوظيفي ، وتقليديا ( في ثقافة ما
قبل الاستعراض ) فإن تخارج العين موجه دائما نحو الواقع الحسي الملموس و المباشر ،
أما في العرض ، فإن الجزء الثاني من اسم كل شخصية يحدد مجال تخارجها ، ويحصره في
إطار نمط أو حزمة من التمثيلات ،( عين الحب ، عين الليل ، العين المنسابة ، عين
الجاز ...الخ ) ، مما يجعلنا إزاء شخصيات بلا داخل ، بلا ذاتية ، تتحرك ( خاصة في
الوحدة الأولى والأخيرة ) طبقا لاحتكاكات
عابرة بلا تاريخ أو ثقل أو تصميم ، إنها تدور داخل أفق من الحكايات الشخصية
الصغيرة والتافهة ، والتي لا تكشف سوى عن الانفصال التام فيما بينها ، وغموض طبيعة
علاقاتها ، بحيث أن محصلة هذه الخفة والتفاهة والغموض يؤهب تلك الشخصيات لتصبح
مجرد " شاشات عرض " لحركة الاستعراض ، وممرات تنتقل عبرها تمثيلاته ،
وهو ما يحدث في الوحدة السردية الثانية .
عن ا لرحلة التي تقصها الوحدة الثانية لا تستعاد عر
الفارس ، بل عبر الحصان نرجس ، أو نرسيس ،و طبقا للأسطورة اليونانية التي أحياها التحليل النفسي المعاصر فإن نرجس
ليس سوى ذلك الذي يعشق ذاته ، أو يبحث عنها باستمرار ، والذي لا يكترث بالعالم إلا
بوصفه وسيلة يرى ذاته من خلالها .
وبالتالي فإن اسم نرجس هنا يشير على أسطورة الذاتية كما
دشنتها فلسفة الحداثة ، وخلال العرض سيمارس نرجس – للمرة الأخيرة – كافة
الاختصاصات التي منحتها له هذه الاسطورة ، فهو يقود السرد ، ويصحح الأوضاع
والتفاصيل ، ويوجه ردود الأفعال ويحول الفرقة – بمجرد حضوره – إلى كتلة تنتشر فوق
الخشبة أو تلتف حوله في دائرة هو مركزها .
ولكن عبر تبدي نرجس بوصفه ذاتا حداثية أصيلة تؤسس لحضور
العالم من حولها فإنه ينسحق تحت وطأة هذا الحضور ، وكما هو جدير بذات حقيقية يتعين
عليها إبداء الرفض الراديكالي حينما تكون إزاء عالم لا يروق لها ، فإن نرجس يقرر
أن يقتل نفسه ، و لكنه لم يتمكن إلا من الانسحاب إلى عمق الخشبة ، خلف باب البار
الذي تشكل الجزء العلوي منه على هيئة قضبان سيتشبث بها نرجس وهو يراقب العالم –
الذي يعتقد أنه من خلقه الخاص – وهو يستمر في صخبه وحركته دونما اكتراث بغيابه
(المأساوي !) .
إن هذا المشهد – في اعتقادي – أبلغ مشاهد العرض وأكثرها
حساسية ، فالمجموعة تتركز في منتصف الخشبة ، بينما ثمة إضاءة خافتة – ولكنها واضحة
– على نرجس ، إلى أن تشتعل الخشبة بالحركة ، وتتغير الإضاءة ليختفي نرجس دون أن
نلاحظ ، وكأننا هنا أمام تنفيذ هادئ - و متقن – لنبؤة فوكو حول " موت
الانسان" ، واختفاء الذاتية ، والذي سيحدث دون أن يترك أثرا .
إن العرض لا يتعاطف مع نرجس ، ولا يمنحه امكانية تقرير
مصيره بنفسه ، فهو يظهر بوضوح أن ما قتل نرجس هو إدراكه أن العالم لا يأبه
لاحتجاجه ورفضه ، ولا لغيابه ، ولذلك كان لزاما عليه أن يتلاشي ويذوب بهدوء ، وبلا
بطولة .
إن بقية أنماط الذاتية اليت يمكن رصدها في العرض ليست
سوى تنويعات على النمطين السابقين ، النمط المتخارج تماما عن ذاته ( أو منعدم
الذاتية ) لأعضاء الفرقة ، والنمط الأصيل والحداثي للذات عند نرجس ، وأهمية رصد
هذه التنويعات تكمن في إظهار النحو الذي يعالج به " الاستعراض " هذه
الأنماط ، بحيث سيبدو وكأن العرض يقوم على إجراء مسح وتقييم شاملين لكافة الذاتيات
التي أنتجتها الحداثة .
ولرصد الأنماط التالية ينبغي أن نتوقف عند الإطار
الأليجوري الذي يقدم نرجس من خلاله ، أي أليجوري ( أو أمثولة ) الحصان .
والأليجوري بوصفه تقنية بلاغية ، يقوم على تكثيف مجموعة
مترابطة من التمثيلات ، والتي يهيمن علي حضورها نمط من الحركة الكنائية ، بحيث لا
يمكن استدعاء إحدى هذه الحزم التمثيلية على حدة ، فهي تتحرك دائما نحو حضور يتجاوز في طاقته ومداه ، طاقة ومدى
الاستعادة التي تحفزه .
وأليجوري ( أمثولة ) الذات / الحصان تشتغل داخل العرض
على ثلاث مستويات يشير كل منها إلى أحد أنماط الذاتية .
وأول هذه المستويات يستدعي – في تعارض لماح – أمثولة
الحصان الحكيم " ياهو " الذي ظهر في الرحلة الأخيرة من رحلات جيلفر ،
زالتي نشرت في مطلع القرن السابع عشر ، وهذه الأمثولة تقدم - خلف قناع الحصان – ذاتا شديدة الالتصاق
بالعالم كما ينبغي أن يكون ، إنها حالة من " التمثيل الخالص " الذي
لايشوبه الزيف ، والذي يتفجر صمته بإدانة صارمة لكافة النظم الاجتماعية لعصر ما
قبل الحداثة ، والتي يتم تنحيتها بضربة واحدة لأفساح المجال للتطلعات اليوتوبية
الجديدة للحداثة الناشئة التي تستحضرها رحلات جيلفر بوصفها بلا بديل سوى اليأس
والجنون والاستقالة من العالم .
وهكذا فإن حضور الحصان " ياهو" يظهر ليدشن
نهاية العالم القروسطي ، ومطلقا شرارة البدء لحركة الحداثة التي لم يكن يستطيع إلا
أن يراهن على انتصارها ، أما الحصان نرجس ، فيأتي ليدشن نهاية عالم الحداثة ونهاية
تطلعاتها ورهاناتها واستقرار السيطرة الشاملة لفضاء الاستعراض .
هذا النمط من الذات " الماقبل حداثية" ذات
الاحتجاج الصامت والمزلزل ، يظل في خلفية أمثولة الذات / الحصان ، والعرض لا
يستدعيه ، ولا يهتم به ، لأنه لم يعد موجودا على الاطلاق إلا بوصفه بشارة بنهاية
عصر ما ، نهاية تتكرر الآن ، ولكن بالنسبة لعصر مختلف .
أما ثاني مستويات اشتغال أليجوري " الذات / الحصان
" ، فتكمن في ذلك التقابل المثير بين الحصان نرجس ، والجياد البرية ، والتي
يتم استدعاؤها من مخزون أساطير الحداثة في طبعاتها الأولى حيث الكائنات البدائية
النافرة من الحضارة وقيودها ، والذوات التي تعيش علاقة مباشرة مع الطبيعة العارية
، كل ذلك يشير إلى أسطورة الحياة الرعوية التي خلقتها الحداثة ( وكان روسو من أبرز
دعاتها ) لتضع خلف ظهرها ماض جميل يمكن استعادته ، والعرض يستحضر هذه الأسطورة في
مشهد جميل حافل بالتوريات الجنسية البريئة من الخجل المتحضر ، إلا أن العرض لا
يلبث أن يقوم بتنحية وتدمير هذه الذوات المنشغلة بوجودها المباشر واحتياجاتها
البسيطة ، هذه الذوات ستختفي بمنتهى القسوة والسرعة وكأنما كانت مجرد حلم يتنفسه
العرض ، وذلك يتم ليس لأنها قد هزمت أو تحطمت ( فهذا نصيب ترجس وحده ) ، بل لأن
عالمها نفسه قد أحرقته الحداثة ( الأم التي أنجبتها ) وبالتالي لم يعد بإمكانها أن
توجد .
أما آخر مستويات اشتغال أليجوري الحصان / الذات ، فسنجده
عند فحص ذلك التعارض الوظيفي بين الحصان والفارس ، بوصفه تعارضا بين مظهرين من
مظاهر وجود الذات ، فهناك الذات المتمثلة ( الحصان ) القادرة على تأسيس المعرفة
بالعالم عبر التأمل الداخلي ، بحيث يصبح العالم جزءا مما هو " داخل الذات " ولنلاحظ أن العرض
يقدم الحصان – وليس الفارس – بوصفه من تعلم من الرحلة .
وفي الطرف الآخر من التعارض يأتي الفارس ، أو "
الفاعل " والذي يندفع باستمرار تجاه الخارج ، أو تجاه العالم ، بحيث يظل في حالة انهمام دائمة
بما يمكن فعله ، إن الفاعل هنا هو الذات في حالة تخارجها وسريانها داخل العالم ،
وهذا السريان يتكئ على استمرار طاقة الدفع والتوجيه من الذات المتمثلة ، أي الجانب
الداخلي للذات ( والذي أصبحنا الآن نعرف أن مصيره هو مصير نرجس ) .
والعرض – على مدى مساره بالكامل - لا يكاد يرصد سوى انفصام العلاقة بين هذين
الجانبين من جوانب وجود الذات ، فهو يستبعد كل الأنماط التي تحتوى على الجانب
الداخلي ، بحيث لا يستبقي في النهاية سوى " الفاعل " الذي يصبح بلا ذات
، إنه مجرد اسم بين أسماء متعددة ( لورنزو ، لورانزاشيو ، عين الليل ) وهذا الفاعل
هو المكلف مع نهايةالعرض بأن يضمن تكرار الحكاية .
ولكن الفاعل بلا ذات هو مجرد أداة ، أو آلة ، ماكينة
تشغيل ينبغي أن تحصل على من يسيطر على أزرارها ، وهنا نعود إلى النتيجة التي
استخلصناها من تحليلنا لتيمة العرض الرئيسية ( هيمنة فضاء الاستعراض ) والتي تلتقي
هنا مع نمط الفاعل / الأداة ، الذي يستبقيه العرض من بين جميع أنماط الذاتية ،
لنكتشف أن الطاقة الدافعة هنا لماكينة الفاعل هو الاستعراض نفسه ، ذلك الفضاء الذي
تخلف عن نهاية رهانات االحداثة ، والذي استحوذ لنفسه على كافة امتيازات "
الذات " ، دون أن يكون ذاتا ، والذي لا يرضى بأقل من الاستلاب الكامل والمعمم
لكل لحظات الوجود الانساني ليحولها إلى أداءات
منسابة على نحو عبثي .
لم يعد هناك ما
هو خارج الاستعراض ، وكما يقول " جان بودريار" فنحن إزاء " بلوغ
نقطة لا يمكن أن يحيا المرء عندها إلا بما يتبقى ، إنها بقاء بين الأطلال أكثر من
كونها أي شيء آخر" .