الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

فضاء الاستعراض وموت الذات : قراءة في عرض "نص الليل"


منذ سنوات تعيش الثقافة المصرية بكافة مجالاتها حالة يمكننا تسميتها بــ " حفل استقبال ما بعد الحداثة " فعبر خطوات بطيئة بقدر ما هي حاسمة ، بدأت ظاهرة ما بعد الحداثة تستقطب الاتجاهات المتمردة خاصة في ميادين الممارسات الجمالية ، كما أنها من جهة أخرى باتت تستخدم بوصفها لوحة تنشين للعديد من المذاهب ذات الطابع السياسي والتي ترصدها بوصفها " ما لسنا عليه " و" ما لا ينبغي أن نكونه " ، وفي كل الأحوال ستبدو هذه الظاهرة وكأنها قد اقتنصت لنفسها سلطة تمثيل العالم في لحظته الراهنة ، بحيث أن انصرافنا إلى استخدام هذه السلطة أو مقاومتها لا يسفر عادة إلا عن المزيد من تأكيد وجودها وهيمنتها ، والمزيد من تسربها إلى واقعنا وحياتنا وأفكارنا ، على نحو يحجب عنا إمكانية تحليلها ورصدها بوصفها أكثر الظواهر الانسانية غموضا وتعددا على مستوى المفاهيم والاشكال الجمالية والمنطلقات النظرية .
وربما تأخرت بداية وقائع " حفل استقبال ما بعد الحداثة" في المسرح المصري ( على الأقل مقارنة بالأدب  والنقد ) ، ولكنها تسير حاليا على قدم وساق في خطوات لم يتخلف عنها مسرح " الثقافة الجماهيرية " برغم أنه قد يكون أكثر ميلا – بحكم تركيبه – إلى الصيغ المسرحية التقليدية المضمونة ، ففضلا عن العديد من عروض هواة نوادي المسرح فإن المواسم الأخيرة ل تخلو من عرض يقيم حوارا ما مع هذه الظاهرة ، مثل عرض "المزاد " لشريف صلاح الدين ( بيت ثقافة السنبلاوين  موسم 98 ) ، وعرض " الفاشوش " لعبد الستار الخضري ( قومية السويس موسم 99 ) وصولا إلى عرض " نص الليل " لأحمد طه " ( قومية الجيزة 2001 ) ، وأعتقد أن هذه القائمة مرشحة للتزايد عبر المواسم القادمة ، وهو الأمر الذي يجعل لزاما علينا أن نتناول هذه الظاهرة وعروضها على نحو أكثر جدية .

وقراءتنا لعض " نص الليل " تنطلق من أن تيمة العرض الأساسية هي الهيمنة النهائية لفضاء الاستعراض " وعبر هذا المدخل سنذهب إلى رصد وضعية " موت الذات " بوصفه أحد التيمات الفرعية للعرض ، وليس بوسعنا إلا أن نأمل في أن تضييق مساحة التحليل على هذا النحو قد يفضي إلى رصد أكثر دقة .
ومفهوم "الاستعراض" (  ) هو أحد التحليلات الأولي  - والأكثر تحديدا – لظاهرة ما بعد الحداثة، والتي ترصد أيضا آلية الانتقال إليها عبر ظاهرة الحداثة ، وقد أسس هذا المفهوم المفكر الفرنسي " جي ديبور" في كتابه " مجتمع الاستعراض " والذي صدر عام 1967 .
ويري ديبور "أن الاستعراض مأخوذا بمعناه الضيق يعني هيمنة وسائل الاتصال الجماهيرية التي هي تبديه السطحي الأشد بريقا " ( فقرة 24 ) ، أما من وجهة نظر أكثر شمولا فإن الاستعراض ينشأ عندما نصبح إزاء حركة تباعد للواقع على نحو يؤدي إلى اختفائه " حيث كل ما كان يعاش على نحو مباشر يتباعد متحولا إلى تمثيل " ( ف 1 ) وبالتالي يتم استبدال " العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه ، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع " ( ف 36 ) .
ولمزيد من الوعي بهذا المفهوم ، ينبغي التوقف قليلا عند مصطلح " التمثيل" (  ) ، والذي افضل  ترجمته بإعادة التمثل ، حيث البادئة (  ) تعني إعادة ، ولفظة (  ) تعني تمثل ، وبحكم طبيعته ، يأتي " التمثل " مرتبطا بالخبرة العيانية المباشرة بالواقع والعالم والتي تعيشها الذات العارفة ، بحيث تصبح هذه الخبرة المتمثلة والمحسوسة هي أساس تشكيل الفضاء المعرفي للذات ، والميدان الذي تنشط فيه حركة "إعادة التمثل" التي تسهم في انتاج المزيد من الترابطات المعرفية الأكثر تعقيدا .
ومع ظهور حالة الاستعراض الناتجة عن هيمنة وسائل الاتصال وتكثيف التبادل المعرفي ( على نحو غير مسبوق تاريخيا ) ، والتي تقوم أساسا على إنتقال التمثيلات بين الأفراد ، بحيث يطغي على الفضاء المعرفي وجود وحركة تلك التمثيلات ، والتي تزيح جانبا " التمثلات " أو الخبرة العيانية المباشرة لتصبح حركة الاستحضار أو الاستعادة قائمة أساسا على تحريك مخزون " التمثيلات " ، وعلى إجراء الترابطات بينها ، وبالتالي لا تصبح الآلية المعرفية الرئيسية هي "إعادة التمثل" أو التمثيل ، بل تصبح هذه الآلية هي " إعادة –إعادة التمثل " ، أو" إعادة التمثيل " .
وعبر هذه النقلة الحاسمة على المستوى الابستمولوجي ، يشحب حضور الواقع ، وتخفت العلاقة به ، وتبدأ التكوينات القائمة على أساسه ( مثل الذات ، المعنى ، الحقيقة ) في التضاؤل والانكماش ، بحيث أن حركة الاستعادة المركبة هنا تنتج ما يسميه "ميرلوبونتي " " الماضي الذي لم يكن حاضرا قط في أي لحظة سابقة " ، وعلى هذا النحو يظهر الاستعراض – كما يقول ديبور ، بوصفه " لحظة تاريخية مجمدة تتكرر بلا نهاية"  فالتمثيلات وترابطاتها تتجدد باستمرار ، ولكن الآلية العامة للحركة تظل كما هي .
ومفهوم الاستعراض ، كما هو مطروح هنا ، يشكل المهاد الأساسي لمعظم تحليلات ومفاهيم " مابعد الحداثة " التي يمكننا تعريفها بوصفها مرحلة في حياة الاستعراض ، يعي فيها نفسه ، ويدرك أ،ه بلا بديل ينازعه وجوده وهيمنته .
وفي هذا الاطار تنشأ الوضعية التي نطلق عليها " موت الذات " والتي تتحول هنا إلى مجرد وعاء تمرق عبره التمثيلات ، وكما ينطمر الواقع تحت ركامها ستنطمر الذات أيضا ، وذلك يتم على نحو لا يتيح إمكانية إستعادة وجودهما مرة أخرى ، مهما بذلنا من جهد ، لأنه ما دمنا سنبدأ هذا الجهد انطلاقا من  التثيلات فإن المحصلة النهائية لأي حرجة ممكنة هي مجرد الانتقال إلى تمثيلات أخرى .

ونستطيع رصد تبدي " هيمنة فضاء الاستعراض " بوصفه القيمة الأساسية ف يالعرض ، عبر تقسيمه إلى ثلاث وحدات سردية كبرى ، ورصد المسار الذي يجمع بينها .
1- في الوحدة الأولى : نحن أمام أعضاء فرقة مسرحية يتسربون إلى الخشبة تحت دعوى الاحتفال برأس السنة في بار مهجور ، مع التلويح المستمر بحدث ما منتظر سيتم استحضاره عبر تكشف بطيء ومتقطع لحكاية البار والفارس والحصان .
2- وفي الوحدة الثانية سيتم استعادة رحلة الفارس والحصان ، والتي تنتهي باعلان غرق الفارس في العالم / المستنقع ، وقرار الحصان بأن يقتل نفسه .
3- أما في الحدة الثالثة ، وهي الأقصر ، فثمة تلويح – مرة أخرى – بمسرحية سيقوم مخخرج الفرقة بكتابتها ( هي نفسها ما شاهدناه في الوحدة الثانية ) . ومع التهليل للمسرح يبدأ أعضاء الفرقة قي الانسحاب على دفعات لتخلو الخشبة وينتهي العرض .
وهكذا فنحن إزاء مسار يبدأ من انتظار الحكاية التي سيمرق عبرها ، ثم يتوقف مرة أخرى عند حالة انتظار عودتها وتكرارها غير المحدود ، والحكاية – بصفة عامة – هي كتلة من التمثيلات ، وباعتبارها كذلك ، فهي ساحة ظهور الاستعراض ، وميدان هيمنته ، وأداة عمله .
والعرض طوال الوقت لا يقدم تمثيلا  لواقع ، بل يقدم تمثيلا لتمثيل ، أو يسرد حكاية الحكاية ، وعبر مسار وحدات العرض ، فإننا لن نلمس وجود لحظة ذروة لا يتم تجاوزها ببساطة ، وليس ثمة نقطة نهاية نصل عندها إلى الحث على فعل التغيير أو حتى الرفض ، وكل المشاهد والأحداث التي يمكن قراءتها على هذا النحو يتم عبورها ببساطة إلى ما يليها ، ومصائر وتكوين الشخصيات لا تتبدل من حال إلى حال ، فذلك لا يتم إلا في نطاق استعادة الحكاية في الوحدة الثانية ، أي استعادة أحداث قد وقعت سلفا وانتهت ، وتلك الاستعادة لن تؤثر قط في أعضاء الفرقة المسرحية الذين يبدأ العرض وينتهي بهم .
وبالتالي فمسار العرض لا يهتم إلا باستعادة الحكاية ، والتأكيد – فقط – على إمكانية تكرارها ، مع تجاهل أي تأكيد على معنى أو موقف ما يمثل نقطة وصول أو نهاية ، فليس ثمة رسالة ، ولسنا أما أي شيء سوى " الاستعراض " وهو يؤكد هيمنته وقدرته على سلب مجال الحضور والفعل بأكمله ، وضرورة تكرار ذلك إلى ما لا نهاية .

ومن داخل هذه التيمة الرئيسية يمكننا الانتقال إلى رصد أنماط حضور ، وبالتالي موت ( أو اختفاء ) الذات .
ولنبدأ برصد أسماء أعضاء الفرقة المسرحية ، والتي تبدأ جميعها بلفظة " عين " ، والعين أداة حس لا تنشط إلا بما هو خارجها ، أي أنها في حالة تخارج مستمر ، وهاذ هو شرط وجودها الوظيفي ، وتقليديا ( في ثقافة ما قبل الاستعراض ) فإن تخارج العين موجه دائما نحو الواقع الحسي الملموس و المباشر ، أما في العرض ، فإن الجزء الثاني من اسم كل شخصية يحدد مجال تخارجها ، ويحصره في إطار نمط أو حزمة من التمثيلات ،( عين الحب ، عين الليل ، العين المنسابة ، عين الجاز ...الخ ) ، مما يجعلنا إزاء شخصيات بلا داخل ، بلا ذاتية ، تتحرك ( خاصة في الوحدة الأولى  والأخيرة ) طبقا لاحتكاكات عابرة بلا تاريخ أو ثقل أو تصميم ، إنها تدور داخل أفق من الحكايات الشخصية الصغيرة والتافهة ، والتي لا تكشف سوى عن الانفصال التام فيما بينها ، وغموض طبيعة علاقاتها ، بحيث أن محصلة هذه الخفة والتفاهة والغموض يؤهب تلك الشخصيات لتصبح مجرد " شاشات عرض " لحركة الاستعراض ، وممرات تنتقل عبرها تمثيلاته ، وهو ما يحدث في الوحدة السردية الثانية .
عن ا لرحلة التي تقصها الوحدة الثانية لا تستعاد عر الفارس ، بل عبر الحصان نرجس ، أو نرسيس ،و طبقا للأسطورة اليونانية  التي أحياها التحليل النفسي المعاصر فإن نرجس ليس سوى ذلك الذي يعشق ذاته ، أو يبحث عنها باستمرار ، والذي لا يكترث بالعالم إلا بوصفه وسيلة يرى ذاته من خلالها .
وبالتالي فإن اسم نرجس هنا يشير على أسطورة الذاتية كما دشنتها فلسفة الحداثة ، وخلال العرض سيمارس نرجس – للمرة الأخيرة – كافة الاختصاصات التي منحتها له هذه الاسطورة ، فهو يقود السرد ، ويصحح الأوضاع والتفاصيل ، ويوجه ردود الأفعال ويحول الفرقة – بمجرد حضوره – إلى كتلة تنتشر فوق الخشبة أو تلتف حوله في دائرة هو مركزها .
ولكن عبر تبدي نرجس بوصفه ذاتا حداثية أصيلة تؤسس لحضور العالم من حولها فإنه ينسحق تحت وطأة هذا الحضور ، وكما هو جدير بذات حقيقية يتعين عليها إبداء الرفض الراديكالي حينما تكون إزاء عالم لا يروق لها ، فإن نرجس يقرر أن يقتل نفسه ، و لكنه لم يتمكن إلا من الانسحاب إلى عمق الخشبة ، خلف باب البار الذي تشكل الجزء العلوي منه على هيئة قضبان سيتشبث بها نرجس وهو يراقب العالم – الذي يعتقد أنه من خلقه الخاص – وهو يستمر في صخبه وحركته دونما اكتراث بغيابه (المأساوي !) .
إن هذا المشهد – في اعتقادي – أبلغ مشاهد العرض وأكثرها حساسية ، فالمجموعة تتركز في منتصف الخشبة ، بينما ثمة إضاءة خافتة – ولكنها واضحة – على نرجس ، إلى أن تشتعل الخشبة بالحركة ، وتتغير الإضاءة ليختفي نرجس دون أن نلاحظ ، وكأننا هنا أمام تنفيذ هادئ - و متقن – لنبؤة فوكو حول " موت الانسان" ، واختفاء الذاتية ، والذي سيحدث دون أن يترك أثرا .
إن العرض لا يتعاطف مع نرجس ، ولا يمنحه امكانية تقرير مصيره بنفسه ، فهو يظهر بوضوح أن ما قتل نرجس هو إدراكه أن العالم لا يأبه لاحتجاجه ورفضه ، ولا لغيابه ، ولذلك كان لزاما عليه أن يتلاشي ويذوب بهدوء ، وبلا بطولة .
إن بقية أنماط الذاتية اليت يمكن رصدها في العرض ليست سوى تنويعات على النمطين السابقين ، النمط المتخارج تماما عن ذاته ( أو منعدم الذاتية ) لأعضاء الفرقة ، والنمط الأصيل والحداثي للذات عند نرجس ، وأهمية رصد هذه التنويعات تكمن في إظهار النحو الذي يعالج به " الاستعراض " هذه الأنماط ، بحيث سيبدو وكأن العرض يقوم على إجراء مسح وتقييم شاملين لكافة الذاتيات التي أنتجتها الحداثة .
ولرصد الأنماط التالية ينبغي أن نتوقف عند الإطار الأليجوري الذي يقدم نرجس من خلاله ، أي أليجوري ( أو أمثولة ) الحصان .
والأليجوري بوصفه تقنية بلاغية ، يقوم على تكثيف مجموعة مترابطة من التمثيلات ، والتي يهيمن علي حضورها نمط من الحركة الكنائية ، بحيث لا يمكن استدعاء إحدى هذه الحزم التمثيلية على حدة ، فهي تتحرك دائما  نحو حضور يتجاوز في طاقته ومداه ، طاقة ومدى الاستعادة التي تحفزه .
وأليجوري ( أمثولة ) الذات / الحصان تشتغل داخل العرض على ثلاث مستويات يشير كل منها إلى أحد أنماط الذاتية .
وأول هذه المستويات يستدعي – في تعارض لماح – أمثولة الحصان الحكيم " ياهو " الذي ظهر في الرحلة الأخيرة من رحلات جيلفر ، زالتي نشرت في مطلع القرن السابع عشر ، وهذه الأمثولة تقدم  - خلف قناع الحصان – ذاتا شديدة الالتصاق بالعالم كما ينبغي أن يكون ، إنها حالة من " التمثيل الخالص " الذي لايشوبه الزيف ، والذي يتفجر صمته بإدانة صارمة لكافة النظم الاجتماعية لعصر ما قبل الحداثة ، والتي يتم تنحيتها بضربة واحدة لأفساح المجال للتطلعات اليوتوبية الجديدة للحداثة الناشئة التي تستحضرها رحلات جيلفر بوصفها بلا بديل سوى اليأس والجنون والاستقالة من العالم .
وهكذا فإن حضور الحصان " ياهو" يظهر ليدشن نهاية العالم القروسطي ، ومطلقا شرارة البدء لحركة الحداثة التي لم يكن يستطيع إلا أن يراهن على انتصارها ، أما الحصان نرجس ، فيأتي ليدشن نهاية عالم الحداثة ونهاية تطلعاتها ورهاناتها واستقرار السيطرة الشاملة لفضاء الاستعراض .
هذا النمط من الذات " الماقبل حداثية" ذات الاحتجاج الصامت والمزلزل ، يظل في خلفية أمثولة الذات / الحصان ، والعرض لا يستدعيه ، ولا يهتم به ، لأنه لم يعد موجودا على الاطلاق إلا بوصفه بشارة بنهاية عصر ما ، نهاية تتكرر الآن ، ولكن بالنسبة لعصر مختلف .
أما ثاني مستويات اشتغال أليجوري " الذات / الحصان " ، فتكمن في ذلك التقابل المثير بين الحصان نرجس ، والجياد البرية ، والتي يتم استدعاؤها من مخزون أساطير الحداثة في طبعاتها الأولى حيث الكائنات البدائية النافرة من الحضارة وقيودها ، والذوات التي تعيش علاقة مباشرة مع الطبيعة العارية ، كل ذلك يشير إلى أسطورة الحياة الرعوية التي خلقتها الحداثة ( وكان روسو من أبرز دعاتها ) لتضع خلف ظهرها ماض جميل يمكن استعادته ، والعرض يستحضر هذه الأسطورة في مشهد جميل حافل بالتوريات الجنسية البريئة من الخجل المتحضر ، إلا أن العرض لا يلبث أن يقوم بتنحية وتدمير هذه الذوات المنشغلة بوجودها المباشر واحتياجاتها البسيطة ، هذه الذوات ستختفي بمنتهى القسوة والسرعة وكأنما كانت مجرد حلم يتنفسه العرض ، وذلك يتم ليس لأنها قد هزمت أو تحطمت ( فهذا نصيب ترجس وحده ) ، بل لأن عالمها نفسه قد أحرقته الحداثة ( الأم التي أنجبتها ) وبالتالي لم يعد بإمكانها أن توجد .
أما آخر مستويات اشتغال أليجوري الحصان / الذات ، فسنجده عند فحص ذلك التعارض الوظيفي بين الحصان والفارس ، بوصفه تعارضا بين مظهرين من مظاهر وجود الذات ، فهناك الذات المتمثلة ( الحصان ) القادرة على تأسيس المعرفة بالعالم عبر التأمل الداخلي ، بحيث يصبح العالم جزءا مما هو  " داخل الذات " ولنلاحظ أن العرض يقدم الحصان – وليس الفارس – بوصفه من تعلم من الرحلة .
وفي الطرف الآخر من التعارض يأتي الفارس ، أو " الفاعل " والذي يندفع باستمرار تجاه الخارج ، أو  تجاه العالم ، بحيث يظل في حالة انهمام دائمة بما يمكن فعله ، إن الفاعل هنا هو الذات في حالة تخارجها وسريانها داخل العالم ، وهذا السريان يتكئ على استمرار طاقة الدفع والتوجيه من الذات المتمثلة ، أي الجانب الداخلي للذات ( والذي أصبحنا الآن نعرف أن مصيره هو مصير نرجس ) .
والعرض – على مدى مساره بالكامل  - لا يكاد يرصد سوى انفصام العلاقة بين هذين الجانبين من جوانب وجود الذات ، فهو يستبعد كل الأنماط التي تحتوى على الجانب الداخلي ، بحيث لا يستبقي في النهاية سوى " الفاعل " الذي يصبح بلا ذات ، إنه مجرد اسم بين أسماء متعددة ( لورنزو ، لورانزاشيو ، عين الليل ) وهذا الفاعل هو المكلف مع نهايةالعرض بأن يضمن تكرار الحكاية .
ولكن الفاعل بلا ذات هو مجرد أداة ، أو آلة ، ماكينة تشغيل ينبغي أن تحصل على من يسيطر على أزرارها ، وهنا نعود إلى النتيجة التي استخلصناها من تحليلنا لتيمة العرض الرئيسية ( هيمنة فضاء الاستعراض ) والتي تلتقي هنا مع نمط الفاعل / الأداة ، الذي يستبقيه العرض من بين جميع أنماط الذاتية ، لنكتشف أن الطاقة الدافعة هنا لماكينة الفاعل هو الاستعراض نفسه ، ذلك الفضاء الذي تخلف عن نهاية رهانات االحداثة ، والذي استحوذ لنفسه على كافة امتيازات " الذات " ، دون أن يكون ذاتا ، والذي لا يرضى بأقل من الاستلاب الكامل والمعمم لكل لحظات الوجود الانساني ليحولها إلى أداءات  منسابة على نحو عبثي .
 لم يعد هناك ما هو خارج الاستعراض ، وكما يقول " جان بودريار" فنحن إزاء " بلوغ نقطة لا يمكن أن يحيا المرء عندها إلا بما يتبقى ، إنها بقاء بين الأطلال أكثر من كونها أي شيء آخر" .


عبد الناصر حنفي

قلق المسرح..قلق الوجود تأملات نظرية حول عروض مهرجان مدن شرق الدلتا





ربما كان تقلص نسبة العروض التي تتبنى أنماط التفكير المسرحي التقليدي هو أبرز سمات هذا المهرجان الذي لم يشهد سوى عرض واحد ( من 12 عرض) يمكننا أن نصنفه كعرض تقليدي تماما.
وتأتي هذه السمة مصحوبة بتصاعد ما يمكن تسميته بالقلق المنهجي تجاه أسلوب أو طريقة بناء العرض ، والتي عادة ما كانت تشهد خليطا مكونا من أكثر من طريقة في التفكير، إن لم نقل أكثر من منهج مسرحي.
ولتوضيح هذه النقطة فعلينا أن نقول أنه من المألوف أن نجد منهجا مسرحيا مستقرا يسيطر على العرض ويحاول أن يستوعب أو يستثمر لصالحه تقنيات أو طرائق تعود إلى مناهج مسرحية أخرى،وهذا أمر مختلف عما نحن بصدده هنا، فنحن إزاء حالة من الاختراقات المستمرة، أو فلنقل الازاحات المستمرة، والتي لا تتراكب معا لتنتج مسارا منهجيا مستقرا.
وبعض مصادر هذا القلق المنهجي يمكن إرجاعها – ربما- إلى ظروف تتعلق بالمرحلة الآنية لمسرح الثقافة الجماهيرية (خاصة فيما يتعلق بعملية إحلال جيل جديد من المخرجين، وهو ما يجري منذ عدة سنوات) إلا أنني أعتقد أن الكتلة العظمى لهذا القلق تعود إلى المناخ السياسي والاجتماعي الراهن، والذي يفرز ذاتا (قومية) على قدر غير مسبوق من وضوح الملامح، على الأقل فيما يتعلق بما تخشاه تلك الذات،وذلك في اللحظة نفسها التي تبدو فيها هذه الذات وكأنها مهددة بالفناء والزوال.
وهذا الاعتقاد قد يعززه ملاحظة أن معظم العروض تستدعي الآخر في صورة من يملك القدرة على التدمير والإفساد والفناء، من يملك التحكم (علانية أو خفية) في مصائرنا،والأكثر غرابة أن صورة الآخر يتم استدعاؤها على هذا النحو بغض النظر عن العلاقات التي يقدمها العرض، بحيث تبدو أحيانا وكأنها جسم غريب(بقدر ماهو قاهر) يصطدم به العرض عند نهايته.
هذه الصدمة التي يكاد العرض يعيها بصعوبة(ولكنه يتركنا نراها وكأن هذه هي كل مهمته) ساهمت إلى حد كبير في بلورة لحظة نهاية ذات طابع ملتبس شمل كل العروض تقريبا، فثمة مالا يمكن السكوت عليه أو مالا يمكن تحمله، ثمة شيء بالغ الفظاعة يحدث لنا جميعا، ولا نملك له ردا ، وفي هذا الإطار فإن تجميع كافة ممثلي العرض عند الحافة الأمامية لخشبة المسرح ( وهي لقطة انتهت عندها أغلب العروض) هذا التجميع الصارخ سيبدو أحيانا وكأنه محاولة للم الجهد تجاه المقاومة ولكنه سيبدو أكثر وكأنه انصهار للجميع تحت وطأة ألم لا يطاق.
وفي هذا الإطار شهدت عروض المهرجان (باستثناء عرض واحد) غيابا لعملية التأمل في تنوع المجموع، أو في اختلاف ردود الأفعال حسب طبيعة العلاقات والمواقف، أو غياب التفرد الخاص لكل شخصية فوق الخشبة ،فقد بدا وكأن الكلمة (أو النص الحواري) تقود الجميع، فهي تعطي تركيزا أو تأكيدا كاملا لمن يملكها (أو ينطقها) بحيث لا يتبقى أمام الجميع سوى أن يندفعوا تجاهه بحركتهم أو ردود أفعالهم ، أو أن ينزلقوا نحو سكون جامد وكأنهم غير موجودين فوق الخشبة.
وفيما عدا استثناءات قليلة ، فإن الملاحظات السابقة قد قادت الأداء التمثيلي تجاه الخضوع لهيمنة ما يمكن أن نطلق عليه "نمط التخارج" بحيث بدا أن كل ما يتم تداوله أو توزيعه فوق الخشبة (من جمل حوارية إلى جمل حركية إلى انفعالات وردود أفعال) وكأنها مجرد تحصيل حاصل، وكأنها تقول "هنا حزن" هنا غضب" بدلا من أن تقدم حزنا حقيقيا أو غضبا حقيقيا،وكأنما لم تعد هناك خصوصية للمشاعر والانفعالات بحيث تكفي مجرد الإشارة إلى  إحساس ما لاستدعائه أو استحضاره/ لم تعد مشاعرنا شيئا داخليا نطرحه على العالم بقدر ما أصبحت تحيط بنا – في الخارج- كالجدران،بحيث تكفي أبسط الإيماءات للفت نظرنا لوجودها.

هنا تتجمع ملاحظاتنا لتومئ بأن ثمة حالة من خمود الروح (أو مواتها)، حالة من الاستلاب أو الاغتراب تجاه وجودنا ذاته ، والتي تجعلنا بلا داخل ، بلا عمق، بلا قدرة على الفعل إزاء العالم.



إننا إزاء مفارقة ذات طابع مأساوي إلى حد ما، فكلما حاولت هذه العروض تقصي مصدر الخطر القومي ستجد نفسها وقد فقدت قدرتها المنهجية على التماسك الداخلي ، وعلى التأمل في عالمها الخاص .
وعلى مستوى آخر يمكننا قراءة هذه المفارقة بوصفها صرخة مدوية – بقدر ما هي غير مقصودة – إنها صرخة نابعة من اللاوعي ولكنها تنادي بحاجتنا إلى وعي مختلف تماما في علاقتنا بالعالم ، صرخة قد تظل غير مسموعة بوضوح لأنها لازالت مكبلة بالأكليشيهات المباشرة للخطاب القومي العتيق ، ذلك الخطاب الذي كلما حاولت هذه العروض إبرازه أكثر كلما عزلته على السطح أكثر فأكثر.

لقد جاءت هذه العروض  من خمس محافظات مصرية أي أن ملاحظاتنا -إن صدقت- تدور حول عمل كم غفير من المبدعين وتتوزع على مناخات جغرافية متباينة ،وبالتالي فهذا يعني أن الأمر هنا لا يتعلق بالكفاءة الفنية لمبدعي هذه العروض ومدى قدرتهم على صياغة رؤى مختلفة ومتحررة حول اللحظة الراهنة ، بقدر ما يتعلق بأزمة وجودية تأخذ بتلابيب هذا المجتمع ، وهي أزمة قد تتحول في لحظة خاطفة إلى مصعد جبار يهبط بنا ( ومن يدري فقد يصعد بنا ) إلى وضع مغاير يكفي أن نقول عنه أنه قد يكون مختلفا على نحو يصعب توقعه .
ولو كنت أملك تفاؤل "جولدمان" (بتجاوزاته المنهجية ! ) لطالبت هذه العروض بتقديم رؤيتها حول "الوعي الممكن" الذي يمثل مخرجا من هذه الأزمة ، ولكن للأسف الشديد فقد بتنا نعرف أن الفن لا يستطيع أن يلعب هذا الدور " النبوي" أو "الرائي" بعيدا عن  الدعم المناسب لأطر المعرفة الاجتماعية بأشواقها الوجودية وقدرتها على الاندفاع نحو العالم ، لذلك لا يبقى لنا سوى أن نأمل  أن ثمة طاقة اجتماعية مخزونة أو حبيسة في مكان ما من أرواحنا في انتظار اللحظة المناسبة لتندفع نحو مواجهة مستقبلها،
 أجل .. لنأمل أننا لم نمت بعد.


 عبدالناصر حنفي

" طبول فاوست " وتجاوز لعبة المسرح الصوتي



بغض النظر عما إذا كنا نقبل أو نرفض منهج " انتصار عبد الفتاح" في بناء عروضه ، فمما لاشك فيه أنه يشق لنفسه طريقا غير تقليدي لا تتحدد مساراته بالكلمة أو بالحدث أو حتى بارتعاشات عضلات وجه الممثل ،  بل تعمل دائما على تحطيم هيمنة هذه العناصر التي لا يتصور البعض أن المسرح يمكن أن يوجد بدونها ، ورغم ذلك ، فمع عرض " طبول فاوست" سيبدو وكأن انتصار قد غامر بالتحرك بعيدا إلى حد ما عن هذا المنهج الذي بلغ نضجه مع عرض "مخدة الكحل" وارتد نحو حالة من التعايش المسالم وغير المتمرد مع عملية توليد المعنى عبر الجمل الحوارية المطولة التي يتراشق بها الممثلون وقد قطبوا جباههم وبثوا بعض الرجفة في حناجرهم ، وهو ما استولى على أغلب زمن العرض .

اللعبة الجمالية للحداثة :
ولانجاز هذه المهمة فإن علينا وصف اللعبة الجمالية العامة للحداثة والتي تتمحور حول الرهان على التوغل عند حواف الأشكال الجمالية ، حيث المناطق المعتمة وغير المكتشفة والتي تختفي عندها الصلات الواضحة والمعتادة بين مكونات العمل ، وتتباعد المسافات بينها ، وهذا الرهان يولد " دعوة" للمتلقي إلى استجلاب التأويلات المرهفة والمتعددة والمتكاثرة على نحو لا يمكن استنفاده ، أما القاعدة الأخيرة للعبة ، والتي توجد خارج العمل تماما ، فهي تلك الرغبة العامة التي تفترض الحداثة أنها تحكم مناخ التلقي ، والتي ترى أن المعنى الحقيقي لا يمكن اكتشافه على مستوى العلاقات الرئيسية الواضحة للعمل ، بل ينبغي علينا التسرب إلى شقوقه ودقائقه .
ويكتمل ظهور اللعبة بشروطها ، أو قواعدها الثلاث إذا ما توافرت حالة مرتفعة من الإثارة الجمالية التي تحفز أو تنشط العلاقة بين كل من الرهان ، والدعوة ، والرغبة ، وبالطبع فإن طبيعة اللعبة لا تتغير أيا كان العنصر أو التقنية التي تقوم بالدور الرئيسي في تفجير تلك الحالة.

لعبة المسرح الصوتي :
وضمن الأطر العامة للعبة الحداثة المذكورة ، فإن منهج " انتصار" ، والذي يطلق عليه " المسرح الصوتي " ، يعتمد بالدرجة الأولى على التباينات الصوتية ( الإيقاعات – الآلات الموسيقية-  الحنجرة البشرية ) إلا أن الصوت ، كعنصر جمالي ، وبكل ثرائه الحسي ، يظل غير قادر على دعوة ، أو استجلاب النشاط التأويلي ، ويبقى متموجا عند حافة " التمثيل " (  ) ، حيث يمكنه أن يضفي شعورا ما ولكن دون بناء تمثيلات ، ولذلك فإن استكمال قواعد لعبة المسرح الصوتي ( الذي يعتمد عادة على تيمات بسيطة ) يقوم على تنظيم هندسي صارم للفضاء المسرحي وحركة المؤدين ، بحيث يتطور العرض عبر ذلك الظهور البطيء والمتوالي لأشكال مثل الخط المستقيم الذي يظهر غالبا في منتصف مساحة الفعل المسرحي ، أو الخطوط المتقابلة على جانبيها ، وكذلك المثلثات ، وهي كلها أشكال تطرح نفسها كإحدى ذرى الفعل المسرحي ، بحيث أنها بتكرارها الدائم عبر مسار العرض ستدشن ظهور مجموعة هائلة من الأوضاع والحالات ، على نحو تبدو معه العلاقات الأولية والبسيطة التي تتكون منها تيمة العرض وكأنها مجرد سطح رقيق يدعونا لتجاهله واختراقه للخوض في هذا المدى الواسع واللانهائي  لتلك العلاقات ( الهندسية ) الدقيقة والمرهفة والتي لا يمكن استنفاد امكانياتها الدلالية . وهو ما سينتج عنه مفارقة تثير العديد من المواقف المتناقضة تجاه لعبة المسرح الصوتي ، فمن ناحية هناك محدودية في الخيال المسرحي الذي يتحرك هنا في مناطق ضيقة للغاية بينما من ناحية أخرى لا يمكن إنكار حالة الثراء الدلالي الناشئة عن انقسام هذه المناطق الضئيلة إلى كثرة من العلاقات الدقيقة وفيما تشكل هذه المفارقة خصوصية تجربة المسرح الصوتي ، فإنها في الوقت نفسه تمثل حدوده التي لا يمكن تجاوزها دون العديد من التضحيات والخسائر .

تجاوز حدود لعبة المسرح الصوتي :
وبرغم أن " طبول فاوست " تظل وفية لمعظم قواعد لعبة المسرح الصوتي إلا أن اللعبة هنا تبقى في حالة نشاط خافت نتيجة محاولة تحميلها بما يتجاوز طاقتها ، فقد انساق العرض إلى الاحتفاظ بالثراء الميتافيزيقي للتيمة الفاوستية القائمة على تلك الرغبة العارمة في امتلاك العالم وتنظيمه، والتي تتجلى عبر خيارات - شيطانية - تتقلب باستمرار في حركة عنيفة ، وهو ما يبدو أنه مثل إغراءا فكريا لا يقاوم للمخرج ، بحيث لم يعمد إلى تبسيط علاقات هذه التيمة كما يقتضي منهجه ، كما لم يحاول تذويب هذه العلاقات بالكامل عبر التنظيم الهندسي للفضاء المسرحي ، بل فضل أن يتبدى الجزء الأساسي من هذه العلاقات عبر الجمل الحوارية المطولة التي جاءت في أداء تقليدي لم يعد قادرا على تحقيق أي إثارة جمالية مهما كانت قدرات الممثلين ، ومن جهة أخرى فإن هذه الفواصل الحوارية كانت تبدد الأثر الجمالي المنعش الذي تحدثه الفواصل الصوتية والموسيقية .
إن تطوير إمكانيات لعبة المسرح الصوتي هو بالتأكيد أمر يمكن أن يتمخض عن مغامرات جمالية واعدة ، إلا أنه يبدو أن مثل هذا التطوير  يتطلب جهدا أكثر مما بذل في عرض " طبول فاوست" .


 عبد الناصر حنفي

دونج : صدى الحداثة المتأخرة



للوهلة الأولى سيبدو عرض الافتتاح البولندي " دونج" مفتقدا إلى الحيوية والإثارة الحسية أو الجمالية التي تجسر الفجوة بينه وبين المشاهد لتجنبه الوقوع في حالة الملل ، كما سيبدو أن هناك قدرا ضئيلا من التنوع في التقنيات المسرحية والتيمات المعالجة ، وإيقاع العرض بطيء في مجمله وكأنه يتقلب في تمهل بالغ داخل إطار ضيق .
وبالطبع فهذه الملاحظات السابقة يمكن أن تؤخذ باعتبارها عيوبا بنائية قاتلة للعرض ، وهدفنا هنا ليس نفي أو دحض هذه الانطباعات والآراء التي تنطلق في هذا الاتجاه ، بل سنحاول تحليل الكيفية التي ينتج عبرها العرض هذه الملاحظات بوصفها جزءا من تكوينه ، ومن رهانه ، وليس كانحراف أو خطأ لم يتم الانتباه إليه ومعالجته، وهو ما يدعونا إلى بحث المنهج الجمالي الذي يتقصاه العرض ، وذلك بغرض تفهمه الترعف عليه ، أما مسألة قبوله أو رفضه فهو أمر لن نتعرض له هنا .

1- اللعبة الجمالية للعرض والحداثة المتأخرة :
يشير مفهوم اللعبة الجمالية إلى طبيعة نظم حركة عناصر العمل الجمالي ، وحدود الفضاء الذي لا تتجاوزه  هذه الحركة ، وذلك بغض النظر عن الأفكار أو المفاهيم التي يمكمن أن تحيل إليها هذه العناصر .
وطبقا لهذا التعريف ، يمكننا تصنيف العرض بوصفه ينتمي إلى مدار اللعبة الجمالية للحداثةالمأخرة ، (   ) ، وهي مرحلة كانت بمثابة المنحنى النهائي والأخير لحركة الحداثة خلال عقدي الستينات و السبعينات ، والرهان الأساسي الذي توجه نحوه هذه اللعبة يتمحور حول تكثيف حضور وفعالية عناصر جمالية معينة عبر إحاطتها بفضاء خاو يخلقه غياب العناصر الأخرى ، وهكذا سيتخلص العمل من أي عناصر يمكن استبعادها أو حذفها بحيث تنحصر حركته في أضيق دائرة ممكنة على نحو يتيح الإصغاء لكل ما يمكن أ، تهمس به محتويات هذه الدائرة .
وانطلاقا من هذا الاطار النظري يمكننا إعادة قراءة الكثير من علاقات العرض ، مثل هيمنة التكرار على البنية الداخلية للمشاهد ، بحيث سينقسم كل منها إلى عدد قليل من الأفعال والجمل الحركية والايماءات التي تعاد كما هي تماما ، أو مع بعض التعديلات البسيطة .
وكذلك انحصار ساحة التمثيل فيما يشبه صندوق قليل العمق يبرز في الثلث الأخير الأوسط من خشبة المسرح ، ورتابة الإضاءة التي لم تتغير تقريبا طوال زمن العرض ، وظهور الموسيقى في معظم الأحيان بوصفها خلفية صوتية مصاحبة تشكل إطارا خارجيا للفعل المسرحي دون أن تساهم فيه ، أما السينوغرافيا ، فبرغم تعدد اللوحات التي ستعبر صندوق التمثيل من جهة لأخرى ، فإننا سنكون دائما إزاء نفس الكتل اللونية الخاضعة لهيمنة درجة كابية من الأزرق الفاتح الذي قد ينحدر بنعومة لا ينبغي إغفالها إلى تخوم الأبيض والرمادي ، كما قد تخترقه خطوط مفلطحة تتراوح بين الأخضر والأسود إلا أنها دائما ذات درجات كابية أو مطفأة .
أما وحدات الديكور وقطع الإكسسوار القليلة والبسيطة أيضا ، فما أن تظهر فوق الخشبة حتى يتم سحبها إلى الكواليس ، وهذا العبور الخاطف والمستمر سيضم أيضا الممثلين الأربعة الذين تمحورت حركتهم الأساسية في الاجتياز المتوالي لخشبة المسرح ، أو في العبور من كالوس لآخر ، أما فترات توقفهم أمامنا فيسيطر عليها أداء يتقصى مبدأ الحد الأدني من الانفعال والجهد ، والذي لا يشي بأي درجة من التحفز أو التوتر ، وكأننا أمام استعراض هادئ لظهور طاقة الممثل التي لا تندفع تجاه نقطة محددة ، طاقة لا تهتم سوى بتحريك كائنات لم تعد ترغب في شيء ، ولم تعد ترفض أي شيء ، ولكنه لا زالت ( بواسطة ذلك كالاسترخاء الإنساني للجسد فوق الخشبة ، بعيدة تماما عن أن تكون مجرد آلالات متحركة .
إن هذه التقنيات مهما تعددت أشكال ظهورها وتعقدت علاقاتها الداخلية ، تظل غير قادرة على اجتذاب تعاطفنا، فهي لا تنتج سوى أشكال تصدمنا دائما بلا مبالاتها الصلفة ، ورفضها المحبط لمحاولاتنا في الاندماج مع الفعل المسرحي أو حتى في تلقيه بحميمية ، هذا الإحباط المستمر سيؤدي بنا إلى الشعور بالسأم والملل ، وربما بالقلق والتوتر إزاء هذه السطوح الملساء الصامتة ، إلا أن رهان العرض القادم من الحداثة المتأخرة ، هو أن ثمة تحولا ممكنا لعملية التلقي من الملل إلى التأمل الهادئ الذي سيقودنا من السطح الساكن إلى العمق الذي تعتمل فيه علاقات العرض التكوينية حيث تبدأ خصائصه الجمالية المرهفة في لفت إنتباهنا إلى ما يهمس به العرض داخل الأطر الضيقة التي اختارها لنفسه .

2-  تيمة العرض : الصورة المتحركة في فضاء ما بعد الحداثة : ــ
في العام الماضي شاهدنا العرض الهولندي " الجوهر " والذي كان ينتمي إلى مرحلة الحداثة المتأخرة في تقنيته وتيمته التي تمحورت حول استعراض حدود تحولات المصير الانساني في تتابع بسيط يكاد يتقصى دورة الحياة والموت ، وربما لم يفلت عرض " دونج" من ذلك الاهتمام الوسواسي ، اليائس ، بقضية مصير الإنسان ، والتي طرحتها الحداثة المتأخرة في كل المجالات المعرفية بتوسع وقلق غير مسبوقين ، إلا أن العرض يستحضر هذه القضية عبر تيمة مختلفة ، وهي الصورة المتحركة ، أو بمعنى أدق الصورة المزاحة ، وهي تيمة خلقت ما بعد الحداثة الاهتمام بها ، بل وحاولت وضعها كعنوان أو مدخل لمعالجة الواقع المعاصر برمته تحت اسم " عصر الصورة " .
وهذا التداخل المعقد الذي ينطوي عليه العرض بين تقنياته وتيمته يجعله يبدو وكأنه صدى لصوت الحداثة المتأخرة الذي يدلي بتشاؤمه أو مخاوفه إزاء هيمنة الصورة محاولا اقتحام الفضاء الخاص لما بعد الحداثة حيث تستقبل هذه الصورة دائما بحالة من البهجة والتفاؤل غير المحدودتين .
ويتعامل العرض مع الصورة على مستويين ، أولهما الصورة بوصفها إطارا تم داخله التقاط – أو سجن – الفعل الإنساني ليصبح قابلا للتكرار الرتيب ، وقابلا للإزاحة البسيطة المستمرة التي ستظل تؤرجحه بين الظهور والاختفاء ، أو بين الحضور والغياب دون مبرر يمكن الإمساك به ، وهو ما ينقلنا إلى المستوى الثاني حيث الصورة قد أصبحت محددا للفعل الإنساني لا مجرد إطار له .
ويكاد العرض أن يقتصر على ذلك الانتقال البسيط ، وغير المحسوس تقريبا من المستوى الأول إلى الثاني ، فالأجزاء الأولى منن العرض تكاد تتلخص في وجود راو أو معلق عند مقدمة صندوق  التمثيل ، وفيما سيدلي بتعليقاته القليلة ستظل الصور تتوالى من خلفه ، صورا مرسومة على ستائر تتحرك بعرض الخشبة ، أو صور إيمائية يستعرضها أمامنا الممثلون خلال عبورهم  جيئة وذهابا ، وسيتطور التتابع ببطء بحيث يعبر الممثلون الخشبة وهم يمسكون بماكيتات مرسوم عليها أشكال مماثلة لما نراه في لوحات الخلفية ، ثم ستعبر الخشبة – بتلكؤ – لوحة تمثل الجزء العلوي برجال ذوي سترات سوداء وقبعات سوداء ( مثل الممثلين أنفسهم ) وفي المنتصف ستتمهل اللوحة ليهرع بعض الممثلين للوقوف خلفها وكأنهم يكملون – بسيقانهم وأقدامهم – الجزء السفلي الذي أهملته اللوحة ، وفيما بعد سيتوالى عبورهم وقد إلتصقت الماكيتات بأسفل أقدامهم ، وهكذا يذوب الإنسان في الصورة .
أما المشهد قبل النهائي ( والذي يمكن النظر إليه بوصفه ذروة يعود منحنى العرض بعدها للهبوط الختامي في اتجاه استعادة وتكرار المشهد الافتتاحي ) فيشير إلى الفعل الإنساني وقد صادرته الصورة لصالحها ، في هذا المشهد الاستثنائي في العديد من مكوناته سينضم ثلاثة ممثلين فوق المقاعد وكأنهم كتلة واحدة تتحرك وتميل معا ، وقد وضعوا أمامهم " ماكيت " لعين كبيرة اختفوا جميعا خلفها بحيث لا تظهر سوى رؤوسهم ، ومن الطرف الأيمن سيميل أحدهم ليغترف الماء من دلو بجواره ثم يصبه في ماسورة – أو مزراب – تبدأ من أعلى ماكيت العين ثم تمر بأسفله لتصب في صحن كبير موضوع بجوار أقدام الممثل الجالس في الطرف الأيسر ، وبعد قليل سيتبدل وضع الدلو والصحن ، ولكن الفعل العبثي الذي يتم عبر العين و بامتدادها سيظل كما هو ، وبنفس تتابعه وتكراره ن وهذا المجاز الجميل للتعبير عن الصورة المزاحة التي تتحرك في إزاحة مستمرة وعبثية سيتأكد بالنحيب الإنساني الموجع الصادر عن الممثل الرابع – المنفرد – والذي سيقطع الخشبة جيئة وذهابا محاولا البحث عن وسيلة لانضمامه إلى هذا الفعل العبثي ، فلا يجد سوى أن يحاول صيانته وحمايته عبر إيماءات تفيض بالحنين .
وبعد أن يتم العرض مشاهده ، سيصطف الممثلون الأربعة ، وسيرفع كل منهم ناقوسا صغيرا ، ويدق دقات خافتة ، قبل أن ينسحبوا جميعا من الخشبة التي ستخلو للوحة الخلفية وصورتها بما تحتويه من مناظر طبيعية .
وفي النهاية ربما كانت تلك الدقات التي يطلقها العرض مجرد صدى لرنين كان هادرا وعاصفا فيما مضى ، وربما جاءت في غير زمانها المناسب ، أو في غير مكانها المناسب ، ولكن هذا لا يعني أنها لا تستحق أن تسمع .

 عبد الناصر حنفي


نموذج العالم : رهان يائس على التبسيط




العرض الراقص " نموذج العالم " الذي قدمته فرقة مسرح موسكو الموسيقية للفنون التشكيلية ،سيبدو وكأنه يدعونا لتأمله من جانبين يأتي كل منهما من فضاء مختلف ومغاير للآخر باهتماماته ورهاناته ومحتوياته وتوازنات القوى داخله ، الجانب الأول – أو الفضاء الأول – يتصل أكثر بالطابع التقني للعرض ، والذي سيظهر هنا بوصفه إحدى محاولات المسرح الراقص في البحث عن آليات سرد مسرحي خاصة به بحيث تعوض غياب اللغة، وهو ما يسمح لهذا النوع المسرحي بأن يتجه إلى إعادة تقديم تيمات وتجارب سبق تقديمها في أنواع فنية أخرى ، وذلك بهدف أن يستكشف هذا المسرح حدود انتشاره وامكانياته في التعامل مع العالم ، وانطلاقا من هذا الفضاء يختار العرض لنفسه تيمة "التكوين " أو "التعلم" ، والتي تتناول نمو وتطور علاقة الفرد بالمجتمع والعالم ، وهي تيمة شكلت مجال الحركة الأساسي لرواية التكوين التي كانت أهم التيارات الروائية على الاطلاق طوال القرن التاسع عشر .
أما الجانب الثاني – أو الفضاء الثاني – الأكثر اتصالا بخصائص تيمة العرض ، فهو ثقافة تيار استعادة الحداثة الأولية ، أي حداثة القرن التاسع عشر وما قبله ، والتي أسستها الثورة الرومانسية ، وقد ظهر هذا التيار في روسيا التسعينات كمحاولة لمد الجسور مع الماضي ما قبل الشيوعي .
ويجمع بين هذين الفضائين رغبتهما – المشبوبة بالحنين – في استعادة الماضي ، إلا أنهما يختلفان في طبيعة توجه هذه الرغبة ، إذ يهدف الفضاء التقني للمسرح الراقص إلى استعادة التجارب السابقة لوصفها في إطار جمالي جديد ، وهو ما يعني إعادة توزيع علاقاتها البنائية على نحو قد يؤدي إلى كشف جوانب كانت خفية في هذه التجارب ، أما فضاء تيار استعادة الحداثة فيراهن على تبسيط الماضي وتقديمه كبديل لهذا الحاضر المعقد والمرتبك ، والعرض بأكمله ليس سوى نتيجة لهذا التداخل بين الفضاءين ، وهو ما سنحاول توضيحه عبر تحليل العلاقات بين التيمة والتقنية .
وبصفة عامة ، فإن التيمة الجمالية توجد دائما في فضاء خارج العمل الجمالي الذي يعالجها ، وهو فضاء أوسع انتشارا وأسبق في الوجود ، والعلاقة بين العمل والتيمة هي دائما ذات طبيعة كنائية ، فهو يستحضر مجمل فضاء التيمة ، أو ينفذ إليها عبر اظهار أجزاء أو جوانب من الترابطات التي تتكون منها التيمة ، أما التقنية الجمالية التي تعمل على تأسيس هذه الترابطات فهي دائما ذات طبيعة استعارية باعتبارها تعمل على إنشاء الترابط بين عناصر ، أو موتيفات ، أو وحدات منفصلة أصلا .
وكما ذكرنا فالتيمة في العرض تتمحور حول المسيرة – الظافرة – لعلاقة الفرد أو الذات بالمجتمع ، أو الآخر ، بدءا باللحظة التي يمثل فيها هذا الآخر تهديدا للذات ، وانتهاء باللحظة التي تسيطر فيها الذات على هذا الآخر ،  ولا ريب أننا سنلمح هنا حضورا للحلم الامبريالي لبرجوازية القرن التاسع عشر في السيطرة على العالم .
أما من الناحية التقنية ، فالعرض يتكون من سبعة مشاهد يضم كل منها لوحتين ، ويفصل بينها جميعا إظلام تام ، وهو ما يكاد يكون الدور الوحيد الذي  لعبته الإضاءة في هذا العرض ، إذا ما استثنينا الاستخدام المتكرر وغير المريح للفلاشر ، ولا توجد أي ديكورات ، أما وحدات الفعل المسرحي ( لا نستطيع هنا الحديث عن شخصيات ) فهي ثلاثة ، الأولى ممثل بانتوميم يرتدي ملابس سوداء ويغطي وجهه بمساحيق بيضاء ، وسيبدو أشبه بالمهرج الحكيم ( أحد أبطال العصر الاقطاعي ) ، والعرض سيبدأ به وقد حمل ماكيتا صغيرا كتب عليه " نموذج العالم " وبعد أن يتقدم ببطء إلى منتصف الخشبة العارية ، سيبدأ في أداء بعض الجمل الحركية ، بحيث سيبدو هذا الماكيت وكأنه جزء من جسده ، بل ومحور ارتكاز لثقل هذا الجسد ، وهكذا قعبر هذه الاستعارة التقنية البسيطة والسلسة سيقدم إلينا المهرج بوصفه متماهيا مع النموذج ، إنه الفكرة التي تطوف بقلق في الفراغ بحثا عمن يلتقطها .
أما وحدة الفعل الثانية ، فهي فتاة سيبدأ ظهورها وينتهي مع نهاية العرض ، وهي تؤدي حركة جري في مكان ثابت لا يتغير ، كاستعارة دالة على وجود الذات في العام المتسع عبر مجموعة من الأفعال المتكررة ، وهي ذات براءة متفائلة ومكتفية بنفسها ، وليس لديها مشكلة سوى اقتحام الآخرين لخصوصيتها .
وتتكون وحدة الفعل الثالثة – الآخر – من ثمانية أفراد يظهرون دائما في اللوحة الثانية من كل مشهد وقد ارتدوا ملابس مختلفة ، بحيث يبدون وكأنهم مجموعة ، أو حالة اجتماعية مغايرة .
وبتتابع سياق العرض في خط أحادي نقوده التحولات الاستعارية البسيطة التي تقوم على تأسيس ترابط بين إحدى وحدات الفعل الثلاث ، وبين موتيفة أو عنصر جمالي معين ، وذلك كخطوة أولى تتكرر ، وتتكرر ، إلى أن يتأكد العرض أننا قد لا حظناها جيدا فيقوم بخطوته الثانية – والأخيرة – والتي تتضمن إزاحة أو نقل الموتيفة أو العنصر الجمالي من وحدة الفعل إلى أخرى على نحو يحقق التماهي بين الوحدتين ( والتماهي بين طرفين هو بحكم التعريف لصالح أحدهما فقط ).
وهكذا سيتم تأسيس ترابط قوي بين المهرج الحكيم واللافتات الاشارية أو الارشادية التي يحملها باعتبارها مركز فعاليته ، ثم تنتقل هذه الفعالية في اللوحة الثانية من المشهد الخامس إلى الفتاة / الذات لتقاوم بها مجموعة المحاربين ، وهو ما يعني استيلاء الذات لنفسها على وظيفة الفكرة ، أي أن الفكرة تتماهي – أو تذوب – داخل الذات .
أما تماهي الآخر - الجماعة – مع الذات فيتم على ثلاثة مراحل ، باعتبار أنه الصراع الرئيسي للعرض ، فمنذ البداية تخضع لوحتا كل مشهد لتعارض أساسي ، فاللوحة الأولى – حيث المهرج – صامتة تماما ، بينما اللوحة الثانية – حيث الآخر / الجماعة – مصحوبة دائما بموسيقى صاخبة ذات إيقاعات واضحة تنظم الجماعة ، وهكذا يتأسس ترابط استعاري بين الايقاع والموسيقى التي تملأ الفراغ ، وبين الآخر ، وفي المشهد الخامس سيستولي المهرج / الفكرة على عنصر الايقاع ( بواسطة دبيب قدميه ) وهذه هي المرحلة الأولى .
أما المرحلة الثانية ، فهي استيلاء الفتاة / الذات في اللوحة الثانية من المشهد السادس على الموسيقى لصالحها ، بحيث سيبدو وكأنها هي من يعزفها ، بل وستستخدمها في ترويض جماعة " الآخر " .
والمرحلة الثالثة – والأخيرة – تسير في اتجاه معاكس ، لكنها تؤدي نفس الهدف ، فمنذ البداية تقدم الفتاة / الذات لنا في ترابط مع بعض الجمل الحركية والايمائية ، مثل الجري في المحل بثقة ، ابتسامة التفاؤل ، . ... الخ ، وفي المشهد السابع والأخير تقوم جماعة الآخر ، كل على حدة ، وبالتتالي ، بالتحول - على نحو يشي بالاستسلام – من الجمل الحركية الخاصة بها ، إلى تقليد حركة الذات / الفتاة ، وبذلك تكتمل عملية التماهي ، وتنتصر الذات ، وينتهي العرض .
ورغم بساطة التحولات الاستعارية التيتحققها التقنيات في هذا العرض ، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغفل عن محدوديتها ، وتجاهلها للثراء البالغ لتيمة علاقة الذات / الآخر ، واختزالها في خط أحادي .
ولتفسير ذلك سيتعين علينا أن نعود لفحص تداخل الفضائين اللذين طرحناهما فيالبداية ، وهنا نتساءل إلى أي مدى يستنفد العرض – أو يستفيد – من تقنيات المسرح الراقص في تعامله مع  تيمته التي تستوحي " رواية التكوين" ، والتفكير في إجابة هذا السؤال سيضعنا مباشرة أمام فقر الخيال الحركي للعرض ، فالموتيفات والجمل الحركية والايماءات المصاحبة ستتكرر دائما من وحدات الفعل ، دونما ابتكار مدهش ، بحيث أنه لواقتصر العرض على تلك العنانصر فقط لولد ميتا ، وهو ما يعني أنه لم يستفد بالفعل من تجارب سابقة استطاعت تفجير وإثراء تفكيرنا .
وبالتالي فإن اختزال التيمة ، وضعف عملية استحضار فضائها الكنائي ،يأتي كاستجابة – حاولت أن تكون مخلصة – لرهان ثقافة استعادة تراث "الحداثة الأولية " والذي يسعى إلى مواجهة – يائسة – لتعقيد العالم عبر اختزاله وتبسيطه في نماذج خطية متفائلة لم تعد تملك شرعية الوجود إلا كحلم بماض ما .


 عبد الناصر حنفي

حول ظاهرة المسرح المصري




قد يبدو ما سأقوله هنا غريبا إلى حد ما بالنسبة للبعض ، وهذا يجعلني أؤكد بداية أنني أبعد ما أكون عن القول بعدم وجود أزمة ، بل أزمات في ظاهرة المسرح  المصري  ، وبعض هذه الأزمات هيكلي أو بنيوي ، وبعضها الآخر مؤسسي ، أي يتعلق بأشكال العلاقات المؤسسية التي تنطوي داخلها معظم تبديات الظاهرة المسرحية ، كما أن بعض هذه الأزمات " وجودي " ، أي يتعلق بإمكانيات استمرار ونمط حضور هذه الظاهرة.

ولكن بالرغم من ذلك كله دعوني أقول أن المسرح ، من زاوية إنتاجه ، هو أضخم وعاء ثقافي مصري على وجه الإطلاق، ولنبدأ بحساب أرقام الإنتاج السنوية ، فلدينا حوالي 60 عرض ينتجهم المسرح  القاهري ، وهو رقم يشمل القطاع الخاص ، و مسرح الدولة بكافة أوعيته وقطاعاته ، ثم لدينا حوالي "350 "عرض  تنتجهم " الهيئة العامة لقصور الثقافة" عبر أوعيتها المختلفة ، فهناك فرق الأقاليم ( وكانت تنتج قرابة  الـ  130 عرض ، وقد انخفض هذا الرقم في العامين الأخيرين ولكن ليس كثيرا ) ، ونوادي المسرح ( وكانت تنتج أيضا قرابة الـ  200 عرض ) ، ثم الفرق التابعة للجمعيات الثقافية ، ومسرح الطفل .. الخ.. وهكذا يصبح لدينا أكثر من 400  عرض تنتجهم هذه الأوعية سنويا.

ثم لدينا الأوعية الأخرى، مثل فرق المسرح الجامعي ، وفرق مراكز الشباب، وفرق بعض النقابات العمالية، وفرق المسرح المدرسي ، وتجمع المسرح الحر ، وجمعية هواة المسرح ، بالإضافة إلى مجموعات الهواة الغير مرتبطة بأي وعاء مسرحي ، والذين عادة ما نفاجأ بهم في مهرجانات الهواة.  وبرغم عدم وجود إحصاءات دقيقة حول كم هذا الإنتاج ، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أنه يمثل رقما ضخما ، قد لا يقل إن لم يزد عن الرقم السابق.
و لكن لو صدقت تلك التقديرات (الأولية )  ، فهذا يعني أن لدينا رقم سنوي يتراوح بين الـ 800 عرض ، وال  1000 عرض ، يتم إنتاجهم عبر مجمل مساحة " مصر" ، وهذا الرقم يفوق كل ما ينشر في مجال الأدب والترجمة ، وكل ما يتم إنتاجه في مجال السينما والفيديو .

ومن جهة أخرى فهذا الرقم يشترك في إنتاجه سنويا عدد يقدر بعشرات الآلاف من المبدعين والمثقفين ، ونسبة كبيرة من هذا العدد يتم تجديدها سنويا ، بحيث يخرج البعض ويحل آخرون محلهم ، وهو ما يجعل ممارسي المسرح يمثلون واحدة من أكبر قبائل الثقافة المصرية ، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق.

ونأتي إلى مناقشة " الكيف " أو الجودة الفنية  لمجمل هذا الإنتاج ، وهنا لدي ملا حظتين ، فما قد يصرح به أحد النقاد أو الصحافيين  حول تأثره البالغ بارتفاع مستوى أحد عروض الهواة المغمورين  ليس بالأمر النادر الحدوث ، ففي كل عام تقدم نوادي المسرح عددا من العروض المبهرة  فنيا ، بل وسأضيف أن واحدة من أهم التجارب المسرحية التي شاهدتها طوال حياتي كانت للفنان الراحل " عبد الستار الخضري" ، وهو عرض " الفاشوش في بلاد المالوش " الذي قدمته فرقة السويس التابعة لفرق الأقاليم بهيئة قصور الثقافة ، وسأضيف أيضا أن أهم عرض شاهدته هذا العام كان لشاب من بني سويف لا يعرفه أحد ، وهو المخرج " محمد عبادي " والذي قدمه في مهرجان نوادي المسرح ، أما أهم عرض شاهدته العام الماضي فكان لمخرج قاهري ( أيضا لا يعرفه أحد ، بل ولا يكاد يجد مكانا لإجراء بروفاته ) ، وهو المخرج " محمود مختار " والذي قدم مع فرقته " العبث" عرضا بديعا مأخوذا عن رواية ماركيز " سرد أحداث موت معلن" ، وجدير بالذكر أن هذه الفرقة هي مجرد تجمع خارج أي وعاء مؤسسي ، فقط مجموعة من محبي ومبدعي المسرح .

ولا أريد أن أنقل المناقشة إلى التساؤل حول جودة ما يقدم في الأجناس الفنية الأخرى ( فكم فيلما ، أو كم رواية أو ديوان شعري ، يمكن أن نحتفظ بهم في ذاكرتنا بعد أشهر قليلة من صدورهم ) فلا يمكن وضع  تدني الجودة في تلك الأجناس في إطار واحد مع  ما يماثله في المسرح ، باعتبار أن ذلك مؤشر عام لتدني طموح وفاعلية الثقافة المصرية ، فالمسرح تحديدا يتميز عن هذه الأجناس بأنه نشاط مؤسسي بالمقام الأول ، فثمة مجموعة من البشر تجتمع لعدة أسابيع أو شهور لتتدرب على تجويد عزف متواصل أو أداء متواصل لمدة زمنية محددة( ساعة أو أكثر ) بحيث يبدو كل منهم وكأنه يقدم ما يخصه روحيا (وليس ما هو مجبر عليه) في تناغم كامل ودقيق مع ما يقوم به الأعضاء الآخرون بالفريق ، وهي نتيجة لا يمكن بلوغها إلا عبر التوصل إلى صيغة مؤسسية تنظم  العلاقة بينهم جميعا ، أي صيغة لتوزيع السلطة ، ولذلك فالمسرح ليس فقط الأكثر حساسية بين جميع الأشكال الجمالية لأي قيد على حرية التعبير ، ولكنه أيضا شديد الحساسية لدرجة النضج المؤسسي في المجتمع ، وليس من قبيل المبالغة القول أن المسرح يشترط لظهوره في أي مجتمع درجة من التطور المؤسسي في العلاقات الإنسانية ، وهو ما يجعل المسرح بصفة عامة أقل الأشكال الجمالية نزوعا نحو الراديكالية المفرطة .

وبالطبع فهذا يعني أن التطور المسرحي يأتي دائما متأخرا من الناحية الجمالية ، ولكنه فيما يفعل ذلك يقدم ما يتجاوز العطاء الجمالي ( ناهيك عن المقولة الفكرية  أو المعنى ، ذلك الوثن الأثير لدى العديد من التوجهات الثقافية والسياسية في مصر)، فهو عبر بحثه عن صيغته المؤسسية قد يتبنى أحيانا الأشكال المؤسسية المطروحة في المجتمع على نحو يدفعها إلى الظهور أمام بصيرة الوعي بطريقة لا يمكن إغفالها ، أي أنه يكشف طبيعة العلاقات المؤسسية  المسيطرة ، وعلى سبيل المثال فلا يمكننا عندما نشاهد عروض " عادل إمام " الأخيرة ،ونرصد ما يوجهه من صفعات لصغار الممثلين ،  إلا أن نفكر ولو على نحو غير واعي في سلطة السيد الإقطاعي، المسيطر على كامل الحضور الجسدي  للمنطوين تحت لوائه ، والذي يمتلك وحده شرعية انتهاك هذا الحضور في أي وقت يشاء ، وربما سيمر زمن طويل قبل أن أستطيع نسيان ذلك الالتذاذ السادي الذي فشل " الفنان فؤاد المهندس" في إخفائه أو السيطرة عليه وهو يضرب "سناء يونس" بالعصا على أردافها، والأكثر فظاعة أن تلك السادية كانت تتزايد كلما بدا أن سناء يونس تتألم على نحو يدفع بها إلى حافة الاهتياج العاجز عن التعبير عن نفسه ، والآن هل يمكننا تخيل ذلك البرجوازي الصغير ( أو حتى تلك البرجوازية الصغيرة ) وهو يرتدي ملابسه يوميا ويندفع لمحل عمله حيث يتلقى بعض الصفعات ( أو الضرب على الأرداف)، ويعاني من الشعور بالإذلال أمام الجميع ، ثم يعود في نهاية الليل بأجره الزهيد ، أجل إن المسرح ( واعيا أو غير واعي ) يمنحننا معاينة حقيقية وحاضرة   لهذا المشهد القاسي الذي ما أن نراه حتى نصبح شهودا عليه بوصفه حدثا معلنا وغير استثنائي، بحيث سيتعين علينا اختيار موقفنا إزاءه ، فإما أن نقره ، أو نرفضه ، وفي الحالتين لا نعود أبرياء ، وعبر هذه العملية سيكون المسرح بمجرد حضوره ، وبغض النظر عما يقدمه ، وعن جودته الفنية ، قد وضعنا في مواجهة مباشرة مع أنفسنا ، ومع نظامنا الاجتماعي، ونزع عنا براءة الجهل والغياب.

وفي أحيان أخرى ، قد يحاول المسرح طرح أو اقتراح صيغ مؤسسية أخرى لعلاقات السلطة على نحو يجعلنا نعاين أن ما نتقبله بوصفه نظام طبيعي  أو قدري للعلاقات بين البشر هو مجرد خيار يمكننا رفضه أو قبوله ، وحينها يصبح المسرح فعل مقاومة حقيقي.

سأكرر أن هذا العطاء هو عطاء "لا جمالي"  بالدرجة الأولى، إنه لا يتوقف على جودة نص الكاتب ، أو عبقرية المخرج ، أو إبداعية الممثلين ،أو أيا من التقنيات الفنية الأخرى ،  فهو ينبع فقط من كون المسرح أحد أشكال الاجتماع الإنساني ، وبالتالي فلا يمكنه - وهو يحقق نفسه - إلا أن يدخل في حوار مع كافة نظم وأشكال الاجتماع الإنساني ، وضمنها إن لم يكن على رأسها " الدولة" ذلك الشكل الارقى ( حتى الآن على الأقل) لتجمع البشر.

إن هدفي الأساسي هنا هو الدفاع عن الأطروحة القائلة أن المسرح ليس مجرد شكل جمالي فحسب ، بحيث تقيم ظاهرته طبقا لإنجازها الجمالي فقط ، وبقدر ما يمكننا تقبل هذا التحليل بقدر ما سنبتعد عن اعتبار الكم في  الظاهرة المسرحية مجرد غثاء يمكن تجاهله.

وهكذا ، يمكننا القول في النهاية أن ما ينقص طريقة تناول ظاهرة المسرح لدى قطاع كبير من المثقفين هو عدم الوعي بخريطة المسرح المصري ، وكذلك تطبيق المعايير الجمالية المجردة على تلك الظاهرة وذلك على نحو يتجاهل عطائها الاجتماعي اللاجمالي .

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ، فثمة مقاومة - أو فلنقل عدم تفهم - من المثقفين المصريين لمشروعية التطور الفني والجمالي لظاهرة المسرح ، وهناك أيضا ذلك الرفض الراديكالي " للتجريب" ( والذي ينبغي أن يظل في قائمة الانتظار حتى يزدهر المسرح العادي أولا) ، وهذا الرفض يستمد نبرته الراديكالية من تلفحه بمعارضة اتجاهات وزارة الثقافة ، وهو أمر محمود بالطبع ولا يمكن إلا أن يستأثر بتعاطفنا، وإن كان ينبغي أن نلاحظ أن هذا الرفض " يلقي بالطفل مع ماء الاستحمام " كما يقولون ، فالتجريب المسرحي ( ولدي اعتراضات جمة على هذا المصطلح ولكن ليس هذا مقام طرحها ) يصبح هو " المهرجان التجريبي" الحكومي الطابع ، والذي قد يعطينا الكثير من المبررات لرفض الطريقة التي ينظم بها ولمعارضة التوجهات التي يتبناها .. الخ ، إلا أن هذا الرفض وتلك المعارضة لا يمكن مدهما على استقامتهما ليطالا الأشكال " الحداثية " ( أو فلنقل  " المعاصرة" ) المغايرة للإبداع المسرحي ، ولنلاحظ هنا أن تلك الأشكال لا تقتصر على المسرح فقط ، بل تمتد لتشمل كافة الممارسات الجمالية، ولكن لأمر ما فإن هذه التغايرات يتم قبولها لدينا في أجناس الأدب ، بحيث تحظى بشرعية الوجود ( مهما كانت الاعتراضات والمناقشات حولها فيما بعد) فيما تسلب شرعيتها بالكامل عندما يتعلق الأمر بالمسرح ، بل ويتم إلصاقها على نحو تعسفي بالسياسة الحكومية . والأكثر غرابة في هذا الشأن أن تلك الاعتراضات تكاد تتطابق مع الاعتراضات اليمينية والمحافظة حول الحداثة بصفة عامة ، فهناك دائما اتهامات التغريب والتقليد والانعزال عن الناس وعدم القدرة على تطوير أشكال محددة وواضحة من المعاني وانعدام الفهم المتوازن لوظيفة الوسيط ودوره وإمكانياته الجمالية .. الخ ، وهي كلها اتهامات واجهتها قصيدتي التفعيلة والنثر والكتابة السردية الجديدة  من قصة ورواية ، بل و طالت أيضا مناهج النقد المعاصرة ، ولكن الجديد - والغريب أيضا - أنه عندما يتعلق الأمر بالمسرح فسنجد أن مطلقو هذه الاتهامات هم كوكبة لامعة من المثقفين والمبدعين التقدميين تضم أسماء من وزن " صنع الله إبراهيم" ، و" بهاء طاهر" وغيرهم .


عبد الناصر حنفي

بثينة... سيدة مسرح الهواة


                                    

خلال أغسطس الماضي كنا على أكثر من موعد مع الحاجة "بثينة عبد الحميد" وهي مواعيد حولت حضور الحاجة "بثينة" من مجال "الحكاية" إلى مجال "الظاهرة" التي ينبغي  أن نتوقف عندها طويلا.
ولنبدأ بالحكاية، فمنذ فترة يتردد أن ثمة امرأة، فلاحة، عجوز، تقيم في الفيوم، وتنتج مسرحا في صالة شقتها القديمة، وتقدم عروضا تقوم بإخراجها وتمثيلها مع أفراد أسرتها، وسنها يتراوح ما بين السبعين والثمانين عاما، ولكنه عادة ما يستقر بينهما في معظم الروايات، تلك حكاية "بثينة" التي ظللنا نتناقلها ونستخدمها أحيانا كترياق أو درع ضد واقع معادي بل وكاره للممارسة المسرحية وللنشاط الفني والثقافي بصفة عامة، فهاهي بذرة مسرحية تنبت في مكان قفر بصورة تكاد تكون مطلقة، وتنمو بالرغم من أن كل حساباتنا الواقعية والمتسقة تقول أنها لابد أن تختفي وتنمحي في نفس لحظة ولادتها ، وهنا تصل الحكاية إلى حركتها الختامية وتتركنا للتأمل في أن ثمة طريق ما لمقاومة اليأس المسرحي، واللاجدوى التي يرسخها الواقع تجاه كل ماهو فني أو ثقافي، ثمة طريق تم اكتشافه، وثمة أمل ما في انتظارنا لتجربته، ثمة أفق ما ينفتح من تلقاء ذاته ويطالبنا بإعادة شحذ طاقتنا مرة أخرى.

ثم تأتي المواعيد، وأولها كان في مهرجان نوادي المسرح بالفيوم، حيث كرمت "بثينة"   في المكان اللائق بها ، بين أهل مدينتها ، ووسط أكبر تجمع مصري – على الإطلاق – لهواة المسرح، وهنا تظهر"بثينة"بالتجاعيد التي تغزو أطراف وجهها وبحركتها البطيئة والثقيلة، ولكن أيضا بابتسامتها المشرقة والمرحة، والتي تفيض حبا للحياة والبشر، إبتسامة عجوز باتت تعلم أن الزمن لم يعد قادرا على قهرها، وأنها تستطيع ممارسة حياتها بالطريقة التي ترغبها حتى اللحظة الأخيرة.

هذا الحضور رسم أفقا مختلفا تماما أمام عيون شباب النوادي، حيث تستطيع الممارسة الهاوية أن تحافظ على وجودها للنهاية، وأن تقاوم في سبيل البقاء والاستمرار فحسب ، لتقدم في النهاية نمطا من الوجود العاري من كل الطموحات والرهانات التي يعتبرها معظم هؤلاء الشباب شرطا جوهريا أو أساسيا للبقاء والاستمرار، فهنا لم تعد الممارسة المسرحية وسيلة للترقي في الواقع، أو للإندفاع الهادر تجاه الحياة، ولم تعد سلما إما أن تصعد درجاته واحدة تلو الأخرى، أو تسقط وتتلاشى، وبالطبع فقد يبدو هذا الطرح مقلقا ومزعجا، بل وشديد القسوة أيضا بالنسبة لهؤلاء الشباب المفعمين بالآمال الفوارة تجاه العالم ، ولكنه أيضا طرح محرر إلى حد ما، فنحن جميعا شاهدنا-ولاداعي لذكر الأسماء – العديد من المواهب التي احترقت سريعا لأنها إعتمدت أكثر مما ينبغي على تعاطف أو توافق شروط كان بالإمكان الاستغناء عنها.

وكان السبت الأخير من أغسطس بمثابة موعدا آخر لتلك الظاهرة، حيث شهدت نقابة الصحفيين عرض الفيلم التسجيلي "بثينة" للمخرج "جمال قاسم"، وقد طرح الفيلم نفسه بوصفه حالة من الإنصات الذكي و المراقبة البعيدة عن التحذلق، تاركا "بثينة"وأسرتها يستولون على صدارة المشهد وهم يمارسون حياتهم اليومية البسيطة ، ويعدون لمسرحيتهم في نفس الوقت، وهذا التداخل المنعش بين الممارسة اليومية والفنية حاول الفيلم تعزيزه – بنجاح بالغ- عبر استعراضه للقطات سريعة تضع التجربة في سياقها الحياتي داخل أحد الأحياء الفقيرة بالفيوم.

وهنا تطرح الظاهرة نفسها على مثقفي النخبة القاهرية الذين اكتظت بهم حفلة عرض الفيلم، هذه النخبة التي باتت مهمومة- على نحو لم يعد من الممكن تجاهله- بمسألة استمرارية أو حتى بقاء الحركة الثقافية والفنية مع افتقاد الشروط اللازمة لذلك، فيما تطرح تياراتها الأكثر راديكالية العديد من الأسئلة حول علاقة الفن بالواقع وكيفية نفي المسافة الفاصلة بينهما ليندمج كل منهما في الآخر، هذا بالإضافة إلى حواراتها وصراعاتها المحبطة حول – ومع- "المؤسسة" والتي لا تتخيلها إلا بوصفها ذلك الكيان "المتعالي" والمهيمن على كل الممارسات الثقافية والفنية.

وعبر كل هذه المناحي كان لدى فيلم "بثينة"ما تقوله:
فالمؤسسة أو الدولة لم تعد هنا شرطا لممارسة الفن ، والامكانيات المادية، بل والفنية ، يمكن أن تصبح شرطا زائدا ، وإختفاء أفكارنا الكبرى المعقدة- والمتحذلقة أحيانا- لن يؤدي إلى إختفاء الفن الذي بات واضحا أن بإمكانه أن يصير جزءا من حياة البشر العاديين، لقد وجه فيلم "بثينة"  لطمة شديدة إلى أفكارنا النخبوية حول الفن، ولكن ذلك موضوع آخر.نأ،أ

       عبد الناصر حنفي


"أنطوريو وكيلوبطة" ومسألة العمق في ما بعد الحداثة





منذ سنوات – قليلة للغاية – تخوض الثقافة المصرية غمار ما يمكننا تسميته بــ " مراسم حفل استقبال ما بعد الحداثة " . وهو حفل بدأ بالسياقات النظرية ، ثم امتد ليشمل كافة المجالات الإبداعية وصولا إلى المسرح ، بحيث أصبح من الصعب مناقشة بعض العروض دون الإتكاء على المداخل المنهجية التي أفرزتها ما بعد الحداثة .
وربما سنجد أنفسنا إزاء موقف كهذا عند تناول عرض " أنطوريو وكيلوبطة " الذي قدم بمركز الهناجر ( إبداع جماعي  - إخراج خالد الصاوي) ، فبرغم الإطار العام التقليدي للعرض والمتمحور حول فرقة صغيرة من المهرجين تحاول تمثيل الحكاية – الأكثر تقليدية – المعروفة عن كليوباترا ، إلا أن ذلك يتم في إطار كاريكاتوري أقل اعتيادية ، فمنذ البداية نحن أمام إلغاء كامل لإنسانية الوجه ولملامحه الخاصة خلف قناع المساحيق الثقيلة ، وفيما سيتراوح الصوت بين النبرة الطفولية الممطوطة والحشرجة الزاعقة ، سيجري نزع ألفة الجسد بالمكان عبر الحركة التي ستبعثر أطرافه إلى الخارج في فوضى أو تقلصها حول الجذع وكأننا بمواجهة حالة من المد والجزر لقوة ما لا علاقة لها بمجريات الحكاية .
أما الممثلون فهم لا يعون أنفسهم بوصفهم مؤدين تفصلهم مسافة ما عما يقدمونه ، ولا بوصفهم مجال لظهور الشخصيات المسرحية على النحو الكلاسيكي ، بل يعون فقط أن ثمة ما يجري أداؤه ، وهذا الأداء لا يستحضر أي معنى كبير لتنظيم مساره ، ولا يومئ إلى أي عمق خفي وراء الأحداث ، بل إن الصراعات القاسية المفترضة بين الشخصيات سيجرى إبرازها على طريقة أفلام كارتون " والت ديزني" بحيث يتم تذويب الإنفعالات القوية والدوافع الحادة وتشذيب حوافها المسننة على نحو تكتسب معه الحوادث التاريخية الدامية نعومة ألعاب الأطفال بمفارقاتها الطريفة .
وعبر ذلك فإن الصراعات التي ستكتسي مظهرا أكثر جدية هي صراعات وخلافات هؤلاء المؤدون أنفسهم بوصفهم يمارسون عملهم الخاص ، لا بوصفهم يخلقون معنى ما ، وانطلاقا من هذا سنرى فوق الخشبة مشاحنات حارة حول توزيع الأدوار ، كما سنرى ممثل يسب ممثلة – بامتعاض مكتوم بقدر ما هو حقيقي – لأنها تركته وخرجت قبل اكتمال المشهد ، ومن حين لأخر سيظهر ملقن الفرقة ليصحح – أو يفسد – توزيع جمل الحوار ، وفي واحد من أكثر المشاهد الغرامية تحليقا ( كما هو مفترض ) سيتوقف الممثل ويعطينا ظهره ليتبول فوق الخشبة ثم يعود لمواصلة دوره مع الممثلة التي ستوالي التراجع إلى الخلف وهي تمسك بأنفها حتى لا تتسلل إليه الرائحة الكريهة ولكن دون أن تنسى ترديد جملها الحوارية الغرامية .
وفي جميع الأحوال ، فمن غير المسموح لهذه الصراعات ذات الطابع المهني أن توقف مسار العمل .
وعبر هذه النزعة الأدائية الواضحة والتي لا تسعى لتأكيد أي معنى لما يتم تقديمه ، فإن العرض يتبنى استراتيجية ما بعد حداثية أخرى أكثر أهمية تتمثل في انفتاحه على حالة من التداعيات المستمرة التي تفتت مكونات المشهد لتربط كل منها بما يشابهها داخل ما يمكننا تسميته بــ الذاكرة العامة  ،  بحيث يتحول كل مشهد إلى إطار يضم مجموعة من الكثافات التي لا يتمتع أي منها بإضطراد بارز ، كما لا يربط بينها أي إتساق واضح ، وكأنها قد صفت متجاورة دون قصد معين .
هذه التداعيات ستبدأ من المستوى اللفظي عبر تحريف الأسماء لجعلها أكثر ألفة ( قيصر – كايزر، كيلوباترا – كيلوبطة، بومبي – بومبة ، انطونيو – أنطوريو ) ، ودس جمل كثيرة من لغات أجنبية مختلفة ، وصولا إلى مستوى ملء الفجوات ( أو صنعها) داخل حوار المشهد [ مثلا : يعزز أوكتافيو قراره بتزويج أخته من أنطوريو بأنه راجل مهم " مش جزمجي " ، بينما سترد هي بأن ما يحاول أوكتافيو فعله هو مجرد استمرار لمؤمراته التي سلبتها ورث أمها وصيغتها ونص البيت "  ] .
وهكذا فإن هذه الإضافات التي تأتي لتقريب الحدث عن طريق الزج بتفصيلات قد تبدو أكثر ألفة  لا تفضي في النهاية إلا إلى الكشف عن المسافة الهائلة التي تفصل العرض عن حكايته ، تلك المسافة التي ستنفتح لإستدعاء تيمات وموتيفات عديدة من خارج إطار الحكاية لتصطنع لنفسها مجال زماني ومكاني أكثر سعة وبطريقة تسمح لنا برؤية قيصر ( المسن ) في صورة ثري نفطي عجوز ، أو بظهور أوكتافيو ( المنتصر ) على هيئة تمثال الحرية ، أو بتحول شخصيات الحكاية في مشهد ما إلى معروضات في متحف .
إن ما حصدناه حتى الآن ( انعدام العمق ، والنزعة الأدائية ، والكثافات المتجاورة ) يكاد يمثل الصيغة التي أصبحت تقليدية بالنسبة لما بعد الحداثة ، وداخل هذه الصيغة تحتل إشكالية العمق مرتبة استثنائية إلى حد ما لارتباطها بمجموعة من المفاهيم الجذرية مثل المعنى والحقيقة والأصل والذات الفاعلة والاندماج أو التأكيد .. الخ . بحيث أن ظاهرة ما بعد الحداثة لا تبدأ في طرح فسها في أي مجال ثقافية أو في أي مجتمع إلا عندما يغدو من الصعب تناول ثنائية العمق / السطح ضمن المنظورات المألوفة .
ومن الممكن أن نصنف اسهامات ما بعد الحداثة ضمن تيارين يتحددان طبقا للموقف من إشكالية العمق ، ويقوم التيار الأول على تفكيك لعبة العمق وتدميرها من داخلها بحيث يجري كشف أن ما يلعب دور العمق ليس سوى سطح تم إخفاؤه أو طمره ، وبالتالي فلا يوجد أي تمايز بين السطح والعمق إلا من حيث دور كل منهما داخل لعبة محددة سلفا ، وهذا التيار قد وجد تنظيره المبكر مع ميشيل فوكو ( 1962) .
أما التيار الثاني فيقوم على اختفاء – وليس إخفاء – العمق الذي لم يعد من الممكن الإحتفاظ به ، أو الحديث عنه ، فالمشكلة هنا ليست في اللعبة نفسها ، ولا في محاولة تجاوزها ، وإنما في افتقادها للإكتمال ، أي في عدم إمكان الحصول على معنى أساسي منظم يلعب دور العمق .
وتتباين ردود الأفعال لدى هذا التيار حول مسألة اختفاء العمق ، فهناك من يؤبنها بعنلئية فلسفية معقدة تشتعل بالحنين ( جان بودريار) ، وهناك من يحتفي بها على نحو مبالغ فيه ( تشارلز جنكز) ، كما سنجد من يتعامل مع الموقف برمته بوصفه مأزقا ينبغي الخروج منه لإستعادة كفاءة اللعبة ( فردريك جيمسون) .
وربما سيبدو واضحا أن عرض " أنطوريو وكيلوبطة"يأتي أكثر توجها نحو التيار الثاني ، فهو لا يعتني إطلاقا بتفكيك أي من مكوناته ، بالإضافة إلى أنه يخضع لتخطيط يقوم على حذف وخلخلة أو هتك كل ما يحتمل أن يفكر فيه المشاهد بوصفه عمقا ، وهو ما يتم على نحو يشكل إلحاحا منتظما على مسألة غياب العمق ، وبرغم هذا السعي الدؤوب فإن بعض الأشياء قد أفلتت من قبضته ، فمنذ البداية وحتى النهاية يخضع مسار العرض لقيادة صوت المعلق الذي يمهد للأحداث والمشاهد ساردا التاريخ شبه الرسمي للحكاية بنبرة مفعمة باليقين تأتينا عبر تقطر بطيء للصوت الذي سيبدو منهمكا – إلى أبعد حد – في تأمل ذاته ، فيما سينصرف كل اهتمام شخصيات العرض إلى اللحاق به والتواؤم مع ما يحكيه .
ومن جهة أخرى تأتي الإضاءة – التي قد تستحق إشادة خاصة ولكن في سياق آخر – أكثر استجابة للإيحاءات التقليدية للمشاهد ، بحيث أن ما يتم إقصاؤه عبر الحوار والأداء التمثيلي سيعود ليجني تعزيزا إضافيا من خلال الإضاءة وشريط الصوت .
ولا تعد هذه المفارقة شديدة الندرة في الأعمال التي تنطوي داخل التيار الثاني كما وصفناه سابقا ، فعادة ما تعاني اسهامات هذا التيار من منطقة عمياء لا يستطيع نفيها أو إزاحتها ، بينما تشكل في الوقت نفسه الأرض التي يقيم فوقها لعبته .
غير أن المشهد الختامي للعرض سيضعنا أمام موقف بالغ الغرابة ، ولذلك يستحسن أن نصفه بالتفصيل : فبغتة ، وقبل ا، ندرك أن النهاية قد حلت ، سيمسح الممثلون مساحيقهم الكثيفة ، فيما ستتحرر أجسادهم من توترها المبالغ فيه لتنبسط ملامح الوجه في صفاء وتمتد الأيدي قليلا إلى الأمام في وضع استقبال وترحيب ، ثم يبدأ التغني بما يشبه النشيد ( كل شعوب الأرض عاوزه نمد لبعض إيدنا ، يكفى كره ، ويكفى حرب .. الخ . ) والذي يلقى بالفرنسية أولا ، ثم بالإنجليزية ليستمر بعد ذلك ويكرر بالعربية  بينما يهبط الممثلون من فوق الخشبة  وتتشابك أيديهم مع المشاهدين في حلقة تطوف دورة كاملة بالصالة .
وهكذا ، فكل شيء يوحي ويؤكد أن هذه اللحظة الختامية تقدم إلينا بوصفها لحظة الحقيقة لا لحظة تمثيل يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وكأن علينا أن نتكاتف جميعا لنحرز المعنى النبيل عبر الاندماج في هذا الابتهال الهيوماني المتبتل ، وبالتالي فعلينا أن ننسى ما قدمه العرض خلال ساعتين ، والذي كان بمثابة تمرين رياضياتي يثبت غياب هذا المعنى النبيل .
ولكن ألا يبدو أن العرض هنا قد انقلب  على نفسه ، ولم يحتمل ذلك الفراغ الذي صنعه عبر الإلحاح المتوالي والمنتظم على غياب العمق والمعنى ، فمال في النهاية إلى استثماره بتقديم بديل صالح لما رفضه ، وهنا ألن يبدو الأمر وكأن العرض قد قفز إلى الخلف منزلقا تجاه ما يشبه لحظة التطهير الأرسطية ؟
إن اقتفاء العرض لخطوات المنحى ما بعد الحداثي لا يكفل بحد ذاته إمتيازا فنيا يحسب له ، خاصة إذا ما أخذنا في اعتبارنا بعض مواضع الفجاجة والغلظة ، والتي كان يمكن تجنبها بسهولة ، وبرغم ذلك فالعرض يكتسب أهمية استثنائية لأنه يتيح لنا التفكير ف يالإلحاحات الثقافية الراهنة على نحو أكثر جدية، وهو ما لا تتيحه عروض أخرى كثيرة قد لا تفتقر إلى الحساسية بقدر ما تفتقر إلى التجديد.

 عبد الناصر حنفي


حيث تحدث الأشياء: احتجاج ما بعد كولونيالي




يبدأ العرض المصري " حيث تحدث الأشياء" والخشبة شبه خالية ، وشبه مظلمة إلا من بعض البقع الضوئية الخفيفة ، و سيمتلئ الفضاء حولنا بأنغام جيتار متكسرة فيما سيتبعثر الممثلون فوق الخشبة ، وعلى اليسار سيستخدم أحدهم الظهر العاري لممثل آخر ليرسم عليه ويحفر فوقه ، ثم يمحو ما فعل بكل بساطة ، قبل أن يعود لتكراره من جديد ، وفي الخلف وضعت مائدة صغيرة وقف عليها أحد الممثلين وهو يحاول – بلا جدوى – أن يقفز في الهواء ويطير في حركة ستتباطأ وتتثاقل حتى يصبح غير قادر على الوقوف بتوازن فوق المائدة ، وأمامه تماما عند مقدمة الخشبة ستركع أمامنا فتاة بوجه ذو تعبير متجمد يشي بالذعر والانسحاق ، وخلفها سيقف أحد الممثلين وهو يكرر رفع شعرها من أحد جوانب وجهها ثم يلطم خدها برفق ، فيما سترد هي في كل مرة وعبر انصياع تام " حاضر .. حاضر " ، وخلفهما ستقطع فتاة أخرى ( تبدو أصغر سنا وأكثر براءة ) منتصف الخشبة جيئة وذهابا في حيرة ، بحيث ستتوقف عند بعض الممثلين وكأنها تبحث عندهم - بلا جدوى – عن تعاطف ما ، وإلى اليسار سيجلس أحد الممثلين مسندا ظهره على جدار فتحة البروسينيوم وسيتململ على نحو يشي بنفاد الصبر واليأس ، وفي الخلف سنجد منصة عازفي الموسيقى القليلة الارتفاع والمضاءة طوال العرض تقريبا ببقعة ضوء برتقالية خافتة ، وأمامهم سيستلقى فتى فوق مرتبة إسفنجية وقد أعطاهم انتباهه بالكامل ، وإلى اليمين ستتوزع أربع دكك خشبية يجلس فوقها بعض الممثلين في لا مبالاة تامة، وفي أعلى فضاء الخشبة سيتجول ممثل فوق الشواية ، وسنسمعه ينادي من حين لآخر بفظاظة متحدية تفتقر إلى نبرة التمرد أو حتى الحماس الجاد ، وهذا الممثل لن نراه قط ، بل سنتعرف علي موقعه بواسطة مصدر إضاءة خافت يومض ويختفي من حيث يأتي الصوت الذي يقول " يا عم صلحها " ثم " طب بلاش تصلحها ، بس ممكن تحاول يعني " .
وهذا الفضاء شبه المعتم ، شبه الصامت ، والذي  لا ينطوي إلا على كم ضئيل من الحركة ، سيبدأ في التحول المفاجئ إلى حالة من الصخب والثراء الحركي فور أن تطلق الفتاة – الراكعة عند مقدمة الخشبة – صيحة احتجاج صريحة ومتمردة بوضوح ، والتي سيعقبها قيام الفتاة وسيرها إلى داخل الخشبة في خطوات حاسمة ومنتظمة مصحوبة باهتزاز شبه حر لجسدها الذي سيبدو وكأنه قد تخلص من ضغط خارجي قاهر كان يفرض عليه قوالب ثابتة وجامدة لحركته ، وعلى هاذ النحو ينتهي المشهد الافتتاحي الذي بدا واستمر قبل وأثناء دخول الجمهور .

وعبر هذا الوصف التفصيلي للمشهد الافتتاحي ( والذي يغفل بالطبع العديد من الملاحظات الأكثر دقة ) يمكننا أن نلاحظ بعض الخصائص الجمالية ، فعلى مستوى التقنيات سنجد أن الخشبة تنطوي على توزيع بالغ الثراء لعدد كبير من الجمل الدرامية المتزامنة التي يمكن أن يعد كل منها مشهدا فرعيا قائما بذاته، بحيث أن إلتفاتنا إلى التيمة العامة لهذه الجمل هو وحده ما يتيح لها أن تتضام داخل مشهد واحد مركب .
و لكن التيمة أيضا هي التي تكون سياق تتابع المشاهد ، فالعرض الذي بدأت مشاهده تتوالى عقب صرخة الاحتجاج المعلنة ضد القهر والعجز ، سيحافظ على توسيع مدارات تأمله داخل هذا الإطار  الذي لم يتجاوزه قط ، بحيث يمكننا تصنيف مشاهد العرض إلى فئتين ، الأولى بلا موسيقى تقريبا ، وتسودها حركة هادئة ولكن متناثرة في معظم أرجاء الخشبة ، وهي غالبا ما تتآزر لتحقيق تصوير متزامن لأبعاد مختلفة لحالات القهر المؤسسي ، قهر مؤسسة الأسرة ، أو النظام الأبوي ، أو قهر المؤسسة الإعلامية ، قهر سلطة النظام لخصوصية الفرد في اختيار ملابسه ، وذكرياته ، وأحلامه ، ولجسده ( وخاصة الجسد الأنثوي بالطبع ) والتحطيم المتوالي للإنجاز الفردي – الذي لا يخضع للنظام – مهما كان بسيطا ، وهي حالات تشير في مجموعها إلى آثار عمل المؤسسات الانضباطية للدولة القومية الحديثة – أخطر وأهم منجزات الحداثة على وجه الإطلاق – والتي اكتشفت  وأسست لوجود الذات الفردية ، في نفس الوقت الذي صادرت فيه مجال هذا الوجود لصالحها ( ولنلاحظ أنه حتى مؤسسة النظام الأبوي الموغلة في القدم سيقدمها العرض في مشهد بالغ العنف والقسوة بوصفها أداة لضبط وتوجيه سلوك الفرد داخل مؤسسات التعليم والعمل ، أي أنها تقدم هنا من زاوية انتمائها للحداثة ) ,وهذه الفئة من المشاهد ستسمح بمونولوجات منفردة ، أو متداخلة – ولكن ليس بحوار – يتم عبرها استعراض تأثير عمليات القهر على وعي الفرد بذاته.
أما الفئة الثانية من المشاهد فتنتمي إلى الجانب الآخر من التيمة ، جانب الاحتجاج والتمرد والصراع ، وهي تبدأ دائما بإيقاعات موسيقية عنيفة مصحوبة بانقضاض جماعي مباغت يقوم به الممثلون على الخشبة سواء من الخلف أو من داخل الكواليس ، وكأن ثمة حالة من التمرد غير المحدود قد تلبست بأجسادهم وهيجت طاقتها إلى أقصى مدى ممكن ، بحيث تتصارع وتتصادم وتتدافع وتسقط أفرادا ومجموعات ، وهذه الفئة تنطوي على حركة شديدة الحيوية والعنف فيما ستبدو أقل كثافة وثراء من الفئة الأولى نتيجة لانهيار التمايز – غالبا – بين مواقع الممثلين وحركتهم وفرض طابع أقل تباينا على حركة المجموعة ككل بحيث يختفي – إلى حد كبير – ذلك التعقيد الناتج عن علاقات التزامن .
ويتقدم مسار العرض عبر إيراد مشهد من الفئة الأولى ، يليه مشهد من الفئة الثانية  .. الخ ، وبالتالي فسياق التتابع يستعرض عمليات القهر فالاحتجاج فالتمرد والصراع الذي غالبا ما ينتهي بترويض هذا التمرد عبر فقدان الشخصية لتمايزها داخل المجموعة وسقوطها على الأرض في حالة أشد انسحاقا .
وهكذا فالتيمة هنا تهيمن تماما على سياق التزامن وسياق التتابع وتدفعها معا إلى التعاضد والتآزر على نحو يذكرنا بالتصريح النظري الشهير لرومان ياكبسون  في الخمسينات والذي اعتبر الشعرية ( بوصفها أحد تبديات الفعالية الجمالية ) مكافئة لمدى انطباق أو تعاضد هذين السياقين أو المحورين ( التزامن ، والتعاقب ) ، وهو التصريح الذي دشن ميلاد البنيوية وأثار هوس السيمولوجيين في البحث عن التعارضات والتقابلات بين المحورين ، ولأمر ما – لن نتوسع في تحليله هنا – فإن العرض سيبدو وكأنه في كثير من لحظاته الحاسمة يضع نفسه داخل هذا الإطار البنيوي الضيق ، بحيث أن التعارضات التي يقيمها في سياق التزامن – أولا – ستأتي على نحو استبدالي ، أي أنها تنطوي على طرفين مختلفين قابلين لأن يحل أحدهما محل الآخر ، ولكن ليؤدي معنى مختلف قد يصل إلى حد التضاد ، وهكذا ، فعلى سبيل المثال ، وليس الحصر ، ففي المشهد الذي يعبر عن قهر النظام الأبوي سنجد تعارضا متزامنا على النحو الذي سبق ذكره ، ففي مقدمة الخشبة سيعدو الابن خلف الأب الذي يواصل توبيخه ، وسيخلع الإبن قميصه ويضرب به الأب .. الخ ، أما في أقصى نقطة في عمق الخشبة فسنرى في نفس اللحظة إبن آخر يقف في وضع ثبات تام ، والأب يروح ويجيء أمامه ، ومن حين لآخر يؤنب الابن ويمسك رأسه بيديه ويضربها بعنف في لوح معدني معلق خلفه .
أما التعارضات على محور التتابع – ثانيا – فهي تأتي بحيث يمكن أن يتضام طرفيها مشكلين تطورا في المعنى ، وعلى سبيل المثال ، فإن صيحة الاحتجاج غير الجادة في المشهد الافتتاحي الذي وصفناه سابقا ، سيليها صرخة أخرى جادة وحاسمة .
وفي إعتقادي أن لجوء العرض إلى إنتاج هذه التعارضات البنيوية المجردة يأتي كمحاولة لتأطير حدود الفضاء الكنائي الذي تستحضره تيمة العرض ، ولتعويض غياب التأمل في العلاقات التكوينية المنتجة لعلاقات القهر ، وهنا يمكننا تلمس رغبة العرض في المحافظة على تماسك العالم الذي يدينه ، وعدم الجرأة على تفكيكه ، وهي ملاحظة تقربنا كثيرا من فحص نمط الاحتجاج الذي يتبناه العرض ، وإن كان علينا أولا أن نصف – على نحو سريع – المشهد الختامي .
في البداية سيدخل الجمهور إلى الصالة المظلمة وكأنه يتسلل خلسة لمراقبة الأحداث الجارية فوق الخشبة ، والتي ستبدو وكأنها بدأت قبل دخولنا ، أما في النهاية ، فسيتوقف فجأة عنف الموسيقى والحركة واللتين كانتا تملآن فضاء خشبة المسرح ، وسيبدو الأمر وكأن الممثلون قد لاحظوا وجودنا فجأة ، وستخفت الإضاءة وهم يتراجعون للخلف زحفا على الأيدي والأقدام ، ومن يصل منهم إلى الخلف سينهض ويتناول لفالة من النايلون ، ثم يعود بثبات ليقف في موقعه ، وعندما يكتمل إصطفافهم سيقوم كل منهم بفرد اللفافة في حركة موحدة مباغتة ليغطي نفسه بها في احتجاج حاسم وباتر ونهائي .
وهكذا ، يبدأ العرض وينتهي باحتجاج موجه بالمقام الأول ضد مؤسسات الحداثة القمعية والانضباطية ، ولكن الحداثة قد أتاحت وأنتجت أكثر من نمط للإحتجاج ، وربما كان أشهرها ذلك النمط الملازم للحداثية (  ) بجميع اتجاهاتها ومذاهبها ، والذي يحاول نفي النظام والسلطة ليتوجه إلى العالم  - دعك من الاحتجاج الرومانسي الذي يتوجه إىل الطبيعة - ، أما أكثر هذه الأنماط انتشارا في الوقت الحالي فهو نمط الاحتجاج " مابعد الكولونيالي " .
ويشير مصطلح مابعد الكولونيالية (  ) بصفة عامة إلى حالة المجتمعات التي دخلت إلى ظاهرة الحداثة أو استقبلت عمليات التحديث (  ) تحت ضغط خارجي ( الاستعمار أو النفوذ الأجنبي ) بحيث يستمر الأثر المشوه لهذا الضغط مع مرحلة الاستقلال القومي لتلك المجتمعات التي تظل خاضعة لتناقض حاد بين سعيها للتحديث بوصفه قضية حياة أو موت ، وبين رفض الحداثة بوصفها نفيا للهوية .
وكل أنماط الاحتجاج ضد الحداثة تتضمن ملمحا إنسحابيا حذر نيتشة من خطورته ، باعتبار أنه يمكن أن يمتد إلى نفي الذات المحتجة ونفي العالم الذي تراهن على التوجه نحوه ، وهذا الملمح أشد وضوحا في نمط الاحتججاج ما بعد الكولونيالي الذي ينطلق من نفي الآخر أكثر مما يتوجه إلى نفي النظام ، مؤكدا بذلك تماهي الآخر مع العالم وملكيته له ، وبالتالي فهو ينفي نفسه وينسحب من عالم يخصه كما يخص الآخر .
وهكذا فالعرض يلقي بنفسه – في النهاية – بين أمواج هذا النمط الاحتجاجي ، مسجلا بذلك تحولا ينطوي على مفارقة شديدة ، فمسار الاحتجاج والتمرد على القمع ينتهي بتكيف مثير للدهشة ، وهو انسحاب شخصيات العرض من العالم أمام الآخر ، وبذلك يدفعوا – بأيديهم – حالة القمع إلى أقصى إمتداد لها ، وربما سنلاحظ هنا خطورة هذا التحول الممكن – ولكن ليس الوحيد – لنمط الاحتجاج ما بعد الكولونيالي .

عبد الناصر حنفي


المسرح ونهاية الحداثة : من التجريب إلى المهام المعلقة لحركة الحداثة في المسرح



  مع بداية فعاليات " مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي " نجد  أنفسنا نستعيد – المرة تلو الأخرى – تلك النقاشات التي شهدتها الدورات السابقة حول مصطلح " التجريب " ومفاهيمه، وحدوده، وطرائقه، وأنواعه ... إلخ . وبالطبع فقد لعبت هذه النقاشات دورا شديد التأثير في انفتاح خطابنا المسرحي على متغيرات الحركة المسرحية في العالم، إلا أنها أخذت تفقد الكثير من حيويتها ورهافتها النظرية مع توالي دورات المهرجان ، بحيث سيبدو مصطلح " التجريب " وكأنه قد جرد بشكل ما من طاقته على إثارة الحوار وتحفيزه وتأطيره في حدود تجعل نتائجه مثمرة.
واذا ما حاولنا رصد المقدمات التي أفضت بنا إلى هذه النتيجة فسنجد أنها يمكن  أن تتلخص فيما يلي :

1-   كانت القاعدة النظرية الأساسية التي انطلقت منها هذه النقاشات هو أن ثمة فارق هام – بل وجوهري – بين التجربة الفنية ( فلا يوجد عمل فني لا ينطوي على تجربة ما ) وبين التجريب الفني ، وذلك باعتبار أن هذا المفهوم الأخير ينطبق فقط الأعمال الفنية التي لا يجمع بينها سوى أنها تنطوي على تجارب  غير مسبوقة ، أي تجارب جديدة لا تمثل تكرارا لما سبقها ، ولذلك فهي تعلو عن أن تكون مجرد تجربة فنية لتصبح تجربة – أو تجريبا – في الفن ذاته .
2-   ومع اتساع النقاش  وتعدد الآراء والتحليلات والمنطلقات ، بدأت هذه القاعدة النظرية تتحول تحولا غير معلن ليصبح أساسها التطبيقي في تمييز " الغير مسبوق " معتمدا – إلى حد كبير – على مفهوم " الاختلاف الفني " والذي يشير إلى اختلاف أي تجربة فنية عما سواها أو عما سبقها ، بحيث أننا سنعثر دائما على شىء من الجدة و التفرد غير المسبوق في طوايا أي تجربة فنية أو أي عمل فني بحكم التعريف .
3-   وهكذا ، فعبر هذا الاقتران النظري غير المعلن – بين مفهوم " التجريب " ومفهوم الاختلاف الفني ، أصبح من الممكن تناول أي عمل مسرحي من زاوية أو أخرى بوصفه تجريبا ، وهو ما أدى إلى النتيجة التي ذكرناها .

وهذا التحليل لا يعني وقوع خطأ منهجي في إدارة النقاش ( بحيث يمكن أصلاحه والعودة إلى تفعيل الحوار بنفس أطره السابقة ) بقدر ما يعني استنفاد مصطلح " التجريب " لإمكانياته النظرية ، بحيث أصبح يفتقد القدرة على تأمين استمرار النقاش الذي أثاره .
ولدينا خيارين  - على الأقل – إزاء هذا الوضع ، الأول هو أن نتجاهله ، باعتبار أننا قد تخطينا مرحلة الحاجة إلى النقاش النظري ، على نحو يسمح لنا بالتفاعل المباشر مع التجارب التي تقدمها عروض المهرجان ، والثاني هو أن نسعى لطرح مفهوم نظري آخر يساهم في إعادة تحفيز الحوار مرة أخرى ، وسنحاول هنا أن نسهم ولو بقليل في أداء هذه المهمة .
     


         *****************************


وإذا ما كان لنا أن نبدأ في السعي لصياغة هذا الإطار النظري الجديد فإن علينا مراعاة بعض الشروط الهامة ، مثل أن يكون إطارا يسمح بإعادة استثمار مجريات ونتائج النقاشات السابقة حول مفهوم " التجريب " ، كما يسمح بوضع النقاشات المقبلة في خضم التفاعل مع سياقات الواقع المعرفية، والثقافية، والجمالية، والمسرحية.
وانطلاقا من هذه الشروط فربما لن نجد في أجندة الفكر المعاصر إطارا نظريا يوفي بها مثل إطار الحداثة. والإشكالية الأساسية التي تواجه معظم معالجات تكمن في التقاط المدخل النظري المناسب ، فقد تعددت هذه المداخل على نحو مثير منذ منتصف الخمسينيات وحتى الآن .
وأفضل مدخل يمكننا اختياره بحيث يساعدنا على أداء مهمتنا بفعالية ، هو مدخل " نهاية الحداثة" والذي تنهض بتأسيسه مجموعة الدراسات الأكثر أهمية في أدبيات " ما بعد الحداثة " .
وطبقا لهذا المدخل فإن " الحداثة " ظاهرة تتحرك دوما في اتجاه أداء مهام محددة، وأنها تنتهي- أو تموت – عقب إنجازها لهذه المهام، وبالطبع فهذا النمط من الحركة الموجهة قد تختلف سرعة سريانه من مجال لآخر تبعا لاختلاف المشكلات التي ستعين عليه مواجهتها وتجاوزها . وفي مجال الممارسات الجمالية يمكننا حصر مهام الحداثة في عدة مراحل تتابعية، كما يلي :
 1 – إعادة توزيع الممارسات الجمالية، أو إعادة تصنيفها في أنواع محددة، وهو ما يعني استحداث أنواع جمالية جديدة ، أو إعادة تأسيس أنواع جمالية قديمة .
2- استحداث تقنيات جمالية جديدة، واستحداث فضاءات معرفية جديدة لحركة هذه التقنيات.
3- الإبتكار والإختبار المستمرين لأشكال جديدة من الترابط بين التقنيات الجمالية والفضاءات المعرفية وهو ما ينتج عنه ظهور الاستراتيجيات الجمالية الجديدة، وظهور النزعات والاتجاهات والمدارس الجمالية المختلفة، وعند هذه المرحلة تحديدا تظهر الحداثية بوصفها سعيا محموما وعنيفا لاستبدال استراتيجية جمالية بأخرى.
4 – وفي النهاية تتباطأ حركة الاستحداث (للتقنيات والفضاءات ) كما تتباطأ حركة ابتكار واختبار واستبدال الاستراتيجيات الجمالية، وهو ما يفضي إلى"تبلور"النوع الجمالي على مستويين متقابلين، ومتزامنين، فأولا ستبدو التقنيات المفردة للنوع وكأنها محملة دائما بترابطات أو تضمينات معرفية معينة، وذلك بغض النظر عن تغاير مجال أو سياق ظهور التقنية من عمل فني لآخر أو حتى من نوع لآخر، بحيث يمكننا هنا الحديث عن استقلال التقنية بفعل – أو بأثر – جمالي خاص بها. أما على المستوى الثاني فسيبدو وكأنه قد تم استنفاد طائفة الاستراتيجيات الجمالية التي ترسم خرائط انتشار النوع الجمالي بما يضمه من مذاهب واتجاهات ونزعات....الخ، بحيث يصبح من النادر أكثر فأكثر أن يتم طرح استراتيجية جمالية جديدة تعيد تشكيل حدود فعالية النوع الجمالي.
وهكذا فمع هذه المرحلة الأخيرة ( استقلال التقنيات واستنفاد الاستراتيجيات ) يكون النوع قد تجاوز ظاهرة الحداثة ، يصبح النوع مكتملا، أي منتهيا، وكذلك تصبح الحداثة – عبر مسار مجمل الممارسات الجمالية – مكتملة ومنتهية، أو ميتة، وهذه النتيجة لا تعني قطعا موت الفن نفسه – كما تنبأ هيجل – ولكنها بداية عصر جمالي جديد يتخذ من التقنية موضوعا له، فيدمرها، أو يفككها، أو يجعلها تحل محل الاستراتيجية وتقوم بعملها، أو يحثها على الاشتغال والتوزع داخل سلاسل لا تستمد نظامها من نظرية الأنواع، ولا من استراتيجية محددة، ذلك هو عصر " مابعد الحداثة " الذي يكاد يبدأ.



       **************************************

وبالنظر إلى مجال  "العرض المسرحي" بوصفه أحد الفنون الأدائية سنجد أنه قد قطع معظم المراحل التي تنطوي عليها " مهام الحداثة " وأنه ربما يكون قد بدأ في تخطي عتبة المرحلة الرابعة ( والتي تبدأ بتباطؤ استحداث التقنيات والفضاءات، وتنتهي باستقلال التقنيات واستنفاد الاستراتيجيات ) ولكنه بالتأكيد لم يعبرها بعد، وبوسعنا القول أنه سيتلكأ طويلا في إجتياز هذه المرحلة، وبالتالي فسيتلكأ أيضا في الخروج من نطاق الحداثة، وهو ما يعود – في اعتقادي – إلى خصوصية الممارسة الجمالية لفن العرض المسرحي.
ويمكننا تحديد هذه الخصوصية داخل إطار تعارض أساسي، طرفه الأول هو الانحصار المكاني والزمانين بينما طرفه الثاني هو حالة الانفتاح أو الانتشار الجمالي والتي يتمتع بها المسرح على نحو استثنائي مقابل الفنون الأخرى.
وبالنسبة للطرف الأول أو الخاصية  الأولى ، سنجد أن العرض المسرحي يقوم على فعالية جمالية لا يمكن إنتاجها أو تلقيها إلا في فضاء ثلاثي الأبعاد ( بحيث أن إختزاله إلى بعدين سيضعنا أمام مجال فني مختلف حتى لو استخدمت فيه تقنيات تعود للمسرح، مجال مثل الفيديو أو السينما ) ، وهذه الخاصية يتقاسمها السرح مع فنون أخرى مثل النحت والعمارة، إلا أنه مقابل الكتلة الثابتة أو الساكنة في هذين الفنين ، فإن المسرح يعج بحركة الكتل ولأحداث، ومن جهة أخرى فالعرض المسرحي يكاد يكون محصورا في انتشاره وظهوره داخل إطار زمني ضيق للغاية، أي في لحظة حدوثه الفعلية الغير قابلة للتكرار المتطابق من حيث المبدأ، إذ لا توجد ليلة عرض لعمل مسرحي ما تتطابق  تماما مع ليلة عرض لنفس العمل ، مهما كان الفاصل الزمني بينهما ضئيلا.
وعلى الطرف الآخر من هذه الثنائية المتعارضة سنجد أن فن المسرح ينطوي في بنيته الأساسية على حالة من الانفتاح المرن مما يسمح له أن يستقبل داخل نسيج علاقاته العديد من التقنيات الجمالية التي تنتمي لمختلف الفنون، وهو ما يجعله أكثر الفنون قابلية للتأثر بالمتغيرات الجمالية التي تظهر في أي مجال آخر.
إن خاصية الانحصار الموضعي في المكان قد جعلت المسرح يتأبى على الدخول فيما يطلق عليه " فالتر بنيامين " عملية الاستنساخ الآلي للعمل الفني ( والتي تعد إحدى الركائز الأساسية في تعجيل أو تسريع حركة الحداثة في مختلف المجالات الأخرى ) والتي تؤدي إلى أن يصبح كل عمل فني مفرد متمتعا بمجال تلق شديد الاتساع، وبالتالي يصبح خطوة ملموسة في استنفاد الاستراتيجية الجمالية التي ينطلق منها، وفي إكساب التقنية  تضمينات أو ترابطات تساهم في تقدمها داخل مسار استقلالها الخاص، وهذا يعني أن تأثير هذه الاعمال المسرحية سينطوي دائما على حالة من التستت نتيجة لخاصية الانحصار الموضعي في الزمان، أو ----- بعبارة أخرى -  لعدم تطابق حالات ظهور وتلقي هذه الاعمال.
وهذه الحركة البطيئة والمشتتة تتعزز أكثر بالاحتياج الدائم للفن المسرحي إلى إعادة ترتيب علاقاته البنائية الداخلية كلما استقبل تقنيات أو تيارات حالية وافدة من خارجه ( وعلى سبيل المثال فإن الطريقة التي تم عبرها استقبال تيارات " مابعد الحداثة" في المسرح تنطوي على مفارقة مثيرة للدهشة، لأنها – عكس ما يعتقد الكثيرون – ساهمت في المزيد من تلكؤ حركة الحداثة في المسرح.
وهكذا فطبقا للتحليلات السابقة تظل مهام الحداثة معلقة وغير منجزة في مجال المسرح ، وهو أمر يعود إلى خصوصية الممارسة الجمالية لهذا الفن، ولذلك تظل طبيعة التطورات الجمالية التي يمكن توقعها لحركة المسرح مشوبة بقدر كبير من الغموض ما دامت هذه الحركة البطيئة والمشتتة تأتي كتأثير لا يمكن تجنبه للخصائص الأساسية لفن العرض المسرحي.
ولكن إذا ما تركنا المستقبل جانبا فإن هذه التحليلات تمكننا – مبدئيا على الأقل – من الشروع في تأسيس إطار نظري فعال نستعيد عبره حيوية النقاش حول حركة المسرح المعاصر، وهو نقاش ينتظره – بالطبع – الكثير من المشكلات المنهجية التي سيتعين عليه تجاوزها قبل أن يصبح مثمرا.

عبد الناصر حنفي