يبدأ العرض المصري " حيث تحدث الأشياء"
والخشبة شبه خالية ، وشبه مظلمة إلا من بعض البقع الضوئية الخفيفة ، و سيمتلئ
الفضاء حولنا بأنغام جيتار متكسرة فيما سيتبعثر الممثلون فوق الخشبة ، وعلى اليسار
سيستخدم أحدهم الظهر العاري لممثل آخر ليرسم عليه ويحفر فوقه ، ثم يمحو ما فعل بكل
بساطة ، قبل أن يعود لتكراره من جديد ، وفي الخلف وضعت مائدة صغيرة وقف عليها أحد
الممثلين وهو يحاول – بلا جدوى – أن يقفز في الهواء ويطير في حركة ستتباطأ وتتثاقل
حتى يصبح غير قادر على الوقوف بتوازن فوق المائدة ، وأمامه تماما عند مقدمة الخشبة
ستركع أمامنا فتاة بوجه ذو تعبير متجمد يشي بالذعر والانسحاق ، وخلفها سيقف أحد
الممثلين وهو يكرر رفع شعرها من أحد جوانب وجهها ثم يلطم خدها برفق ، فيما سترد هي
في كل مرة وعبر انصياع تام " حاضر .. حاضر " ، وخلفهما ستقطع فتاة أخرى
( تبدو أصغر سنا وأكثر براءة ) منتصف الخشبة جيئة وذهابا في حيرة ، بحيث ستتوقف
عند بعض الممثلين وكأنها تبحث عندهم - بلا جدوى – عن تعاطف ما ، وإلى اليسار سيجلس
أحد الممثلين مسندا ظهره على جدار فتحة البروسينيوم وسيتململ على نحو يشي بنفاد
الصبر واليأس ، وفي الخلف سنجد منصة عازفي الموسيقى القليلة الارتفاع والمضاءة
طوال العرض تقريبا ببقعة ضوء برتقالية خافتة ، وأمامهم سيستلقى فتى فوق مرتبة
إسفنجية وقد أعطاهم انتباهه بالكامل ، وإلى اليمين ستتوزع أربع دكك خشبية يجلس
فوقها بعض الممثلين في لا مبالاة تامة، وفي أعلى فضاء الخشبة سيتجول ممثل فوق
الشواية ، وسنسمعه ينادي من حين لآخر بفظاظة متحدية تفتقر إلى نبرة التمرد أو حتى
الحماس الجاد ، وهذا الممثل لن نراه قط ، بل سنتعرف علي موقعه بواسطة مصدر إضاءة خافت
يومض ويختفي من حيث يأتي الصوت الذي يقول " يا عم صلحها " ثم " طب
بلاش تصلحها ، بس ممكن تحاول يعني " .
وهذا الفضاء شبه المعتم ، شبه الصامت ، والذي لا ينطوي إلا على كم ضئيل من الحركة ، سيبدأ في
التحول المفاجئ إلى حالة من الصخب والثراء الحركي فور أن تطلق الفتاة – الراكعة
عند مقدمة الخشبة – صيحة احتجاج صريحة ومتمردة بوضوح ، والتي سيعقبها قيام الفتاة
وسيرها إلى داخل الخشبة في خطوات حاسمة ومنتظمة مصحوبة باهتزاز شبه حر لجسدها الذي
سيبدو وكأنه قد تخلص من ضغط خارجي قاهر كان يفرض عليه قوالب ثابتة وجامدة لحركته ،
وعلى هاذ النحو ينتهي المشهد الافتتاحي الذي بدا واستمر قبل وأثناء دخول الجمهور .
وعبر هذا الوصف التفصيلي للمشهد الافتتاحي ( والذي يغفل
بالطبع العديد من الملاحظات الأكثر دقة ) يمكننا أن نلاحظ بعض الخصائص الجمالية ،
فعلى مستوى التقنيات سنجد أن الخشبة تنطوي على توزيع بالغ الثراء لعدد كبير من
الجمل الدرامية المتزامنة التي يمكن أن يعد كل منها مشهدا فرعيا قائما بذاته، بحيث
أن إلتفاتنا إلى التيمة العامة لهذه الجمل هو وحده ما يتيح لها أن تتضام داخل مشهد
واحد مركب .
و لكن التيمة أيضا هي التي تكون سياق تتابع المشاهد ،
فالعرض الذي بدأت مشاهده تتوالى عقب صرخة الاحتجاج المعلنة ضد القهر والعجز ،
سيحافظ على توسيع مدارات تأمله داخل هذا الإطار
الذي لم يتجاوزه قط ، بحيث يمكننا تصنيف مشاهد العرض إلى فئتين ، الأولى
بلا موسيقى تقريبا ، وتسودها حركة هادئة ولكن متناثرة في معظم أرجاء الخشبة ، وهي
غالبا ما تتآزر لتحقيق تصوير متزامن لأبعاد مختلفة لحالات القهر المؤسسي ، قهر
مؤسسة الأسرة ، أو النظام الأبوي ، أو قهر المؤسسة الإعلامية ، قهر سلطة النظام
لخصوصية الفرد في اختيار ملابسه ، وذكرياته ، وأحلامه ، ولجسده ( وخاصة الجسد
الأنثوي بالطبع ) والتحطيم المتوالي للإنجاز الفردي – الذي لا يخضع للنظام – مهما
كان بسيطا ، وهي حالات تشير في مجموعها إلى آثار عمل المؤسسات الانضباطية للدولة
القومية الحديثة – أخطر وأهم منجزات الحداثة على وجه الإطلاق – والتي اكتشفت وأسست لوجود الذات الفردية ، في نفس الوقت الذي
صادرت فيه مجال هذا الوجود لصالحها ( ولنلاحظ أنه حتى مؤسسة النظام الأبوي الموغلة
في القدم سيقدمها العرض في مشهد بالغ العنف والقسوة بوصفها أداة لضبط وتوجيه سلوك
الفرد داخل مؤسسات التعليم والعمل ، أي أنها تقدم هنا من زاوية انتمائها للحداثة )
,وهذه الفئة من المشاهد ستسمح بمونولوجات منفردة ، أو متداخلة – ولكن ليس بحوار –
يتم عبرها استعراض تأثير عمليات القهر على وعي الفرد بذاته.
أما الفئة الثانية من المشاهد فتنتمي إلى الجانب الآخر
من التيمة ، جانب الاحتجاج والتمرد والصراع ، وهي تبدأ دائما بإيقاعات موسيقية
عنيفة مصحوبة بانقضاض جماعي مباغت يقوم به الممثلون على الخشبة سواء من الخلف أو
من داخل الكواليس ، وكأن ثمة حالة من التمرد غير المحدود قد تلبست بأجسادهم وهيجت
طاقتها إلى أقصى مدى ممكن ، بحيث تتصارع وتتصادم وتتدافع وتسقط أفرادا ومجموعات ،
وهذه الفئة تنطوي على حركة شديدة الحيوية والعنف فيما ستبدو أقل كثافة وثراء من
الفئة الأولى نتيجة لانهيار التمايز – غالبا – بين مواقع الممثلين وحركتهم وفرض
طابع أقل تباينا على حركة المجموعة ككل بحيث يختفي – إلى حد كبير – ذلك التعقيد
الناتج عن علاقات التزامن .
ويتقدم مسار العرض عبر إيراد مشهد من الفئة الأولى ،
يليه مشهد من الفئة الثانية .. الخ ،
وبالتالي فسياق التتابع يستعرض عمليات القهر فالاحتجاج فالتمرد والصراع الذي غالبا
ما ينتهي بترويض هذا التمرد عبر فقدان الشخصية لتمايزها داخل المجموعة وسقوطها على
الأرض في حالة أشد انسحاقا .
وهكذا فالتيمة هنا تهيمن تماما على سياق التزامن وسياق التتابع
وتدفعها معا إلى التعاضد والتآزر على نحو يذكرنا بالتصريح النظري الشهير لرومان
ياكبسون في الخمسينات والذي اعتبر الشعرية
( بوصفها أحد تبديات الفعالية الجمالية ) مكافئة لمدى انطباق أو تعاضد هذين
السياقين أو المحورين ( التزامن ، والتعاقب ) ، وهو التصريح الذي دشن ميلاد
البنيوية وأثار هوس السيمولوجيين في البحث عن التعارضات والتقابلات بين المحورين ،
ولأمر ما – لن نتوسع في تحليله هنا – فإن العرض سيبدو وكأنه في كثير من لحظاته
الحاسمة يضع نفسه داخل هذا الإطار البنيوي الضيق ، بحيث أن التعارضات التي يقيمها
في سياق التزامن – أولا – ستأتي على نحو استبدالي ، أي أنها تنطوي على طرفين
مختلفين قابلين لأن يحل أحدهما محل الآخر ، ولكن ليؤدي معنى مختلف قد يصل إلى حد
التضاد ، وهكذا ، فعلى سبيل المثال ، وليس الحصر ، ففي المشهد الذي يعبر عن قهر
النظام الأبوي سنجد تعارضا متزامنا على النحو الذي سبق ذكره ، ففي مقدمة الخشبة
سيعدو الابن خلف الأب الذي يواصل توبيخه ، وسيخلع الإبن قميصه ويضرب به الأب ..
الخ ، أما في أقصى نقطة في عمق الخشبة فسنرى في نفس اللحظة إبن آخر يقف في وضع
ثبات تام ، والأب يروح ويجيء أمامه ، ومن حين لآخر يؤنب الابن ويمسك رأسه بيديه
ويضربها بعنف في لوح معدني معلق خلفه .
أما التعارضات على محور التتابع – ثانيا – فهي تأتي بحيث
يمكن أن يتضام طرفيها مشكلين تطورا في المعنى ، وعلى سبيل المثال ، فإن صيحة
الاحتجاج غير الجادة في المشهد الافتتاحي الذي وصفناه سابقا ، سيليها صرخة أخرى
جادة وحاسمة .
وفي إعتقادي أن لجوء العرض إلى إنتاج هذه التعارضات
البنيوية المجردة يأتي كمحاولة لتأطير حدود الفضاء الكنائي الذي تستحضره تيمة
العرض ، ولتعويض غياب التأمل في العلاقات التكوينية المنتجة لعلاقات القهر ، وهنا
يمكننا تلمس رغبة العرض في المحافظة على تماسك العالم الذي يدينه ، وعدم الجرأة
على تفكيكه ، وهي ملاحظة تقربنا كثيرا من فحص نمط الاحتجاج الذي يتبناه العرض ،
وإن كان علينا أولا أن نصف – على نحو سريع – المشهد الختامي .
في البداية سيدخل الجمهور إلى الصالة المظلمة وكأنه
يتسلل خلسة لمراقبة الأحداث الجارية فوق الخشبة ، والتي ستبدو وكأنها بدأت قبل
دخولنا ، أما في النهاية ، فسيتوقف فجأة عنف الموسيقى والحركة واللتين كانتا تملآن
فضاء خشبة المسرح ، وسيبدو الأمر وكأن الممثلون قد لاحظوا وجودنا فجأة ، وستخفت
الإضاءة وهم يتراجعون للخلف زحفا على الأيدي والأقدام ، ومن يصل منهم إلى الخلف
سينهض ويتناول لفالة من النايلون ، ثم يعود بثبات ليقف في موقعه ، وعندما يكتمل
إصطفافهم سيقوم كل منهم بفرد اللفافة في حركة موحدة مباغتة ليغطي نفسه بها في
احتجاج حاسم وباتر ونهائي .
وهكذا ، يبدأ العرض وينتهي باحتجاج موجه بالمقام الأول
ضد مؤسسات الحداثة القمعية والانضباطية ، ولكن الحداثة قد أتاحت وأنتجت أكثر من
نمط للإحتجاج ، وربما كان أشهرها ذلك النمط الملازم للحداثية ( ) بجميع اتجاهاتها ومذاهبها ، والذي يحاول نفي
النظام والسلطة ليتوجه إلى العالم - دعك
من الاحتجاج الرومانسي الذي يتوجه إىل الطبيعة - ، أما أكثر هذه الأنماط انتشارا
في الوقت الحالي فهو نمط الاحتجاج " مابعد الكولونيالي " .
ويشير مصطلح مابعد الكولونيالية ( ) بصفة عامة إلى حالة المجتمعات التي دخلت إلى
ظاهرة الحداثة أو استقبلت عمليات التحديث (
) تحت ضغط خارجي ( الاستعمار أو النفوذ الأجنبي ) بحيث يستمر الأثر المشوه
لهذا الضغط مع مرحلة الاستقلال القومي لتلك المجتمعات التي تظل خاضعة لتناقض حاد
بين سعيها للتحديث بوصفه قضية حياة أو موت ، وبين رفض الحداثة بوصفها نفيا للهوية
.
وكل أنماط الاحتجاج ضد الحداثة تتضمن ملمحا إنسحابيا حذر
نيتشة من خطورته ، باعتبار أنه يمكن أن يمتد إلى نفي الذات المحتجة ونفي العالم
الذي تراهن على التوجه نحوه ، وهذا الملمح أشد وضوحا في نمط الاحتججاج ما بعد
الكولونيالي الذي ينطلق من نفي الآخر أكثر مما يتوجه إلى نفي النظام ، مؤكدا بذلك
تماهي الآخر مع العالم وملكيته له ، وبالتالي فهو ينفي نفسه وينسحب من عالم يخصه
كما يخص الآخر .
وهكذا فالعرض يلقي بنفسه – في النهاية – بين أمواج هذا
النمط الاحتجاجي ، مسجلا بذلك تحولا ينطوي على مفارقة شديدة ، فمسار الاحتجاج
والتمرد على القمع ينتهي بتكيف مثير للدهشة ، وهو انسحاب شخصيات العرض من العالم
أمام الآخر ، وبذلك يدفعوا – بأيديهم – حالة القمع إلى أقصى إمتداد لها ، وربما
سنلاحظ هنا خطورة هذا التحول الممكن – ولكن ليس الوحيد – لنمط الاحتجاج ما بعد
الكولونيالي .
عبد الناصر حنفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق