العرض الراقص " نموذج العالم " الذي قدمته
فرقة مسرح موسكو الموسيقية للفنون التشكيلية ،سيبدو وكأنه يدعونا لتأمله من جانبين
يأتي كل منهما من فضاء مختلف ومغاير للآخر باهتماماته ورهاناته ومحتوياته وتوازنات
القوى داخله ، الجانب الأول – أو الفضاء الأول – يتصل أكثر بالطابع التقني للعرض ،
والذي سيظهر هنا بوصفه إحدى محاولات المسرح الراقص في البحث عن آليات سرد مسرحي
خاصة به بحيث تعوض غياب اللغة، وهو ما يسمح لهذا النوع المسرحي بأن يتجه إلى إعادة
تقديم تيمات وتجارب سبق تقديمها في أنواع فنية أخرى ، وذلك بهدف أن يستكشف هذا
المسرح حدود انتشاره وامكانياته في التعامل مع العالم ، وانطلاقا من هذا الفضاء
يختار العرض لنفسه تيمة "التكوين " أو "التعلم" ، والتي
تتناول نمو وتطور علاقة الفرد بالمجتمع والعالم ، وهي تيمة شكلت مجال الحركة
الأساسي لرواية التكوين التي كانت أهم التيارات الروائية على الاطلاق طوال القرن
التاسع عشر .
أما الجانب الثاني – أو الفضاء الثاني – الأكثر اتصالا
بخصائص تيمة العرض ، فهو ثقافة تيار استعادة الحداثة الأولية ، أي حداثة القرن
التاسع عشر وما قبله ، والتي أسستها الثورة الرومانسية ، وقد ظهر هذا التيار في
روسيا التسعينات كمحاولة لمد الجسور مع الماضي ما قبل الشيوعي .
ويجمع بين هذين الفضائين رغبتهما – المشبوبة بالحنين – في
استعادة الماضي ، إلا أنهما يختلفان في طبيعة توجه هذه الرغبة ، إذ يهدف الفضاء
التقني للمسرح الراقص إلى استعادة التجارب السابقة لوصفها في إطار جمالي جديد ،
وهو ما يعني إعادة توزيع علاقاتها البنائية على نحو قد يؤدي إلى كشف جوانب كانت
خفية في هذه التجارب ، أما فضاء تيار استعادة الحداثة فيراهن على تبسيط الماضي
وتقديمه كبديل لهذا الحاضر المعقد والمرتبك ، والعرض بأكمله ليس سوى نتيجة لهذا
التداخل بين الفضاءين ، وهو ما سنحاول توضيحه عبر تحليل العلاقات بين التيمة
والتقنية .
وبصفة عامة ، فإن التيمة الجمالية توجد دائما في فضاء
خارج العمل الجمالي الذي يعالجها ، وهو فضاء أوسع انتشارا وأسبق في الوجود ،
والعلاقة بين العمل والتيمة هي دائما ذات طبيعة كنائية ، فهو يستحضر مجمل فضاء
التيمة ، أو ينفذ إليها عبر اظهار أجزاء أو جوانب من الترابطات التي تتكون منها
التيمة ، أما التقنية الجمالية التي تعمل على تأسيس هذه الترابطات فهي دائما ذات
طبيعة استعارية باعتبارها تعمل على إنشاء الترابط بين عناصر ، أو موتيفات ، أو
وحدات منفصلة أصلا .
وكما ذكرنا فالتيمة في العرض تتمحور حول المسيرة –
الظافرة – لعلاقة الفرد أو الذات بالمجتمع ، أو الآخر ، بدءا باللحظة التي يمثل
فيها هذا الآخر تهديدا للذات ، وانتهاء باللحظة التي تسيطر فيها الذات على هذا
الآخر ، ولا ريب أننا سنلمح هنا حضورا
للحلم الامبريالي لبرجوازية القرن التاسع عشر في السيطرة على العالم .
أما من الناحية التقنية ، فالعرض يتكون من سبعة مشاهد
يضم كل منها لوحتين ، ويفصل بينها جميعا إظلام تام ، وهو ما يكاد يكون الدور
الوحيد الذي لعبته الإضاءة في هذا العرض ،
إذا ما استثنينا الاستخدام المتكرر وغير المريح للفلاشر ، ولا توجد أي ديكورات ،
أما وحدات الفعل المسرحي ( لا نستطيع هنا الحديث عن شخصيات ) فهي ثلاثة ، الأولى
ممثل بانتوميم يرتدي ملابس سوداء ويغطي وجهه بمساحيق بيضاء ، وسيبدو أشبه بالمهرج
الحكيم ( أحد أبطال العصر الاقطاعي ) ، والعرض سيبدأ به وقد حمل ماكيتا صغيرا كتب
عليه " نموذج العالم " وبعد أن يتقدم ببطء إلى منتصف الخشبة العارية ،
سيبدأ في أداء بعض الجمل الحركية ، بحيث سيبدو هذا الماكيت وكأنه جزء من جسده ، بل
ومحور ارتكاز لثقل هذا الجسد ، وهكذا قعبر هذه الاستعارة التقنية البسيطة والسلسة
سيقدم إلينا المهرج بوصفه متماهيا مع النموذج ، إنه الفكرة التي تطوف بقلق في
الفراغ بحثا عمن يلتقطها .
أما وحدة الفعل الثانية ، فهي فتاة سيبدأ ظهورها وينتهي
مع نهاية العرض ، وهي تؤدي حركة جري في مكان ثابت لا يتغير ، كاستعارة دالة على
وجود الذات في العام المتسع عبر مجموعة من الأفعال المتكررة ، وهي ذات براءة
متفائلة ومكتفية بنفسها ، وليس لديها مشكلة سوى اقتحام الآخرين لخصوصيتها .
وتتكون وحدة الفعل الثالثة – الآخر – من ثمانية أفراد
يظهرون دائما في اللوحة الثانية من كل مشهد وقد ارتدوا ملابس مختلفة ، بحيث يبدون
وكأنهم مجموعة ، أو حالة اجتماعية مغايرة .
وبتتابع سياق العرض في خط أحادي نقوده التحولات
الاستعارية البسيطة التي تقوم على تأسيس ترابط بين إحدى وحدات الفعل الثلاث ، وبين
موتيفة أو عنصر جمالي معين ، وذلك كخطوة أولى تتكرر ، وتتكرر ، إلى أن يتأكد العرض
أننا قد لا حظناها جيدا فيقوم بخطوته الثانية – والأخيرة – والتي تتضمن إزاحة أو
نقل الموتيفة أو العنصر الجمالي من وحدة الفعل إلى أخرى على نحو يحقق التماهي بين
الوحدتين ( والتماهي بين طرفين هو بحكم التعريف لصالح أحدهما فقط ).
وهكذا سيتم تأسيس ترابط قوي بين المهرج الحكيم واللافتات
الاشارية أو الارشادية التي يحملها باعتبارها مركز فعاليته ، ثم تنتقل هذه
الفعالية في اللوحة الثانية من المشهد الخامس إلى الفتاة / الذات لتقاوم بها
مجموعة المحاربين ، وهو ما يعني استيلاء الذات لنفسها على وظيفة الفكرة ، أي أن
الفكرة تتماهي – أو تذوب – داخل الذات .
أما تماهي الآخر - الجماعة – مع الذات فيتم على ثلاثة
مراحل ، باعتبار أنه الصراع الرئيسي للعرض ، فمنذ البداية تخضع لوحتا كل مشهد
لتعارض أساسي ، فاللوحة الأولى – حيث المهرج – صامتة تماما ، بينما اللوحة الثانية
– حيث الآخر / الجماعة – مصحوبة دائما بموسيقى صاخبة ذات إيقاعات واضحة تنظم
الجماعة ، وهكذا يتأسس ترابط استعاري بين الايقاع والموسيقى التي تملأ الفراغ ،
وبين الآخر ، وفي المشهد الخامس سيستولي المهرج / الفكرة على عنصر الايقاع (
بواسطة دبيب قدميه ) وهذه هي المرحلة الأولى .
أما المرحلة الثانية ، فهي استيلاء الفتاة / الذات في
اللوحة الثانية من المشهد السادس على الموسيقى لصالحها ، بحيث سيبدو وكأنها هي من
يعزفها ، بل وستستخدمها في ترويض جماعة " الآخر " .
والمرحلة الثالثة – والأخيرة – تسير في اتجاه معاكس ،
لكنها تؤدي نفس الهدف ، فمنذ البداية تقدم الفتاة / الذات لنا في ترابط مع بعض
الجمل الحركية والايمائية ، مثل الجري في المحل بثقة ، ابتسامة التفاؤل ، . ...
الخ ، وفي المشهد السابع والأخير تقوم جماعة الآخر ، كل على حدة ، وبالتتالي ،
بالتحول - على نحو يشي بالاستسلام – من الجمل الحركية الخاصة بها ، إلى تقليد حركة
الذات / الفتاة ، وبذلك تكتمل عملية التماهي ، وتنتصر الذات ، وينتهي العرض .
ورغم بساطة التحولات الاستعارية التيتحققها التقنيات في
هذا العرض ، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغفل عن محدوديتها ، وتجاهلها للثراء البالغ
لتيمة علاقة الذات / الآخر ، واختزالها في خط أحادي .
ولتفسير ذلك سيتعين علينا أن نعود لفحص تداخل الفضائين
اللذين طرحناهما فيالبداية ، وهنا نتساءل إلى أي مدى يستنفد العرض – أو يستفيد –
من تقنيات المسرح الراقص في تعامله مع
تيمته التي تستوحي " رواية التكوين" ، والتفكير في إجابة هذا
السؤال سيضعنا مباشرة أمام فقر الخيال الحركي للعرض ، فالموتيفات والجمل الحركية
والايماءات المصاحبة ستتكرر دائما من وحدات الفعل ، دونما ابتكار مدهش ، بحيث أنه
لواقتصر العرض على تلك العنانصر فقط لولد ميتا ، وهو ما يعني أنه لم يستفد بالفعل
من تجارب سابقة استطاعت تفجير وإثراء تفكيرنا .
وبالتالي فإن اختزال التيمة ، وضعف عملية استحضار فضائها
الكنائي ،يأتي كاستجابة – حاولت أن تكون مخلصة – لرهان ثقافة استعادة تراث
"الحداثة الأولية " والذي يسعى إلى مواجهة – يائسة – لتعقيد العالم عبر
اختزاله وتبسيطه في نماذج خطية متفائلة لم تعد تملك شرعية الوجود إلا كحلم بماض ما
.
عبد الناصر حنفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق